اسأل البيضاء

م / ١٥٦

السؤال:

السلام عليكم ورحمة وبركاته 

هل الكلام وقول ابن عباس في التغريدات المرفقة صحيح ؟

 


الإجابة:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

١.  قال الله تعالى: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله}.
قد أخبرنا سبحانه عن الذين يتبعون المتشابه في كتابه المحكم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وسماهم أهل الزيغ
فكيف بما هو دون كلام الله تعالى من كلام البشر؟
وهذا الكلام المنشور انتقاء لما يشتبه على الناس من كلام ابن عباس رضي الله عنه  واجتزاء له من سياقه يوهم القاريء أن ابن عباس رضي الله عنه يقر تعلم التنجيم ويحله!.

٢. ابن عباس رضي الله عنه هو الراوي لحديث النبي ﷺ: [مَنِ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ، زَادَ ما زَاد].
وجاء في رواية أخرى عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: [من اقتبس باباً من علم النجوم لغير ما ذكر الله فقد اقتبس شعبة من السحر . المنجم كاهن والكاهن ساحر والساحر كافر ].
وتركهم كلام ابن عباس المحكم -بل وكلام الله ورسوله البين الواضح-؛ إلى كلام مشتبه مجتزأ من سياقه؛ تلبيس وإضلال للناس عن دين الله.

٣. هذا النقل المجزوء عن ابن عباس منقول من تفسير (الدر المنثور للسيوطي) عند تفسير قوله تعالى: {وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر} وقد نقل عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قوله: "تَعَلَّمُوا مِنَ النُّجُومِ ما تَهْتَدُونَ بِهِ في بَرِّكم وبَحْرِكم، ثُمَّ أمْسِكُوا، فَإنَّها واللَّهِ ما خُلِقَتْ إلّا زِينَةً لِلسَّماءِ ورُجُومًا لِلشَّياطِينِ وعَلاماتٍ يُهْتَدى بِها".

وساق مثله عن قتادة في قوله تعالى: {وعلامات وبالنجم هم يهتدون}.  قالَ: "إنَّ اللَّهَ إنَّما جَعَلَ هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلاثِ خِصالٍ، جَعَلَها زِينَةً لِلسَّماءِ، وجَعَلَها يُهْتَدى بِها، وجَعَلَها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ، فَمَن تَعاطى فِيها غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ قالَ رَأْيَهُ، وأخْطَأ حَظَّهُ، وأضاعَ نَصِيبَهُ، وتَكَلَّفَ ما لا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وإنَّ ناسًا جَهَلَةً بِأمْرِ اللَّهِ قَدْ أحْدَثُوا في هَذِهِ النُّجُومِ كِهانَةً؛ مَن أعْرَسَ بِنَجْمِ كَذا وكَذا كانَ كَذا وكَذا، ومَن سافَرَ بِنَجْمِ كَذا وكَذا كانَ كَذا وكَذا، ولَعَمْرِي ما مِن نَجْمٍ إلّا يُولَدُ بِهِ الأحْمَرُ والأسْوَدُ والطَّوِيلُ والقَصِيرُ والحَسَنُ والدَّمِيمُ، .."

ثم أورد السيوطي قول ابن عباس: "ذاك علم ضيعه الناس" أي : تعلم مواقع النجوم للاهتداء بها في ظلمات البر والبحر.
ثم ساق أحاديث النهي عن تعلم النجوم المحرم عن ابن عباس وغيره وأطال في ذلك.
ومن ذلك قوله: وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والمُرْهِبِيُّ والخَطِيبُ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: [نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ النَّظَرِ في النُّجُومِ].
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والخَطِيبُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: "إنَّ قَوْمًا يَنْظُرُونَ في النُّجُومِ ويَحْسَبُونَ أبا جادٍ، وما أرى الَّذِينَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مِن خَلاق".
وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: أوْصِنِي، قالَ: "أُوصِيكَ بِتَقْوى اللَّهِ، وإيّاكَ وعِلْمَ النُّجُومِ فَإنَّهُ يَدْعُو إلى الكَهانَةِ".

انتهى من (الدر المنثور للسيوطي) الذي اقتطع منه جزء يوهم أن ابن عباس يأمر بتعلم التنجيم المحرم، وترك النص الواضح البين بالنهي عن التنجيم. وفي منقولهم رد عليهم في قوله: (وهدم الإسلام الكهانة) فمعلوم أن علم النجوم المحرم ضرب من الكهانة.

٤.ما يسمى علم النجوم ينقسم إلى أقسام: 

١. علم التسيير: وهو الاستدلال بسير الكواكب وحركتها على الأماكن والأزمنة والمواسم، ومنه علم الفلك الحسابي.
قال تعالى {الشمس والقمر بحسبان} 
وقال تعالى: {وعلامات وبالنجم هم يهتدون} 
و العلامات زمانية ومكانية، فالزمانية كمعرفة مواقيت الصلاة والصيام والحج، وكذلك معرفة دخول موسم هبوب الرياح أو المطر ونحو ذلك.
- والمكانية: كمعرفة الاتجاهات والقبلة.
 وهذا علم صحيح، ومنه الواجب كتعلم القبلة ومواقيت الصلاة والعبادات.
فالأجرام السماوية مجرد علامات لما اقترن بها وليست أسبابا لحدوثها، وليس فيه ادعاء تأثير الكوكب على شيء من حوادث الأرض.

٢. علم التأثير: وهو نوعان
- تأثير سببي مباشر: كتأثير الشمس في اليبوسة ونمو النبات وتدفئة الأرض وذوبان الثلج ونحو ذلك من التأثير الحسي المباشر.
- تأثير غيبي أو خفي: وهو ادعاء تأثير الكواكب على الأحداث والمجريات الأرضية ، وعلى أقدار البشر وطبائعهم، بطرق (خفية).
وهذا هو النوع المحرم الذي تتوجه له الأحاديث. 
وهو محرم بالكتاب والسنة وإجماع الأمة بل هو محرم على لسان جميع المرسلين في جميع الملل كما نقل ذلك ابن القيم.
والنصيحة ألا يُنظر في حسابات هؤلاء المضللة المليئة بالشبه، ولا يؤبه لكلامهم فالعلم يؤخذ من أهله.

هذا والله أعلم.


المجيب: أ. هناء بنت حمد النفجان.
باحثة دكتوراه بقسم العقيدة والمذاهب المعاصرة، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
قناة اسأل البيضاء: ‏https://t.me/ask_albaydha

تم النسخ بنجاح.