اسأل البيضاء

م / ٩٥

هل الإيمان بوجود الله بلا مكان و أن استواء الله على العرش لا يجوز تأويله بمعنى الجلوس و أن الله ليس في السماء. هل هذا الاعتقاد صحيح أم باطل؟ أي هل المعتقد بهذا مسلم أم كافر , لقد بحثت في الأمر و اصطدمت بتضعيف أو تكذيب الأدلة النقلية التي يأتي بها كل طرف من الرأيين ليدعم بها رأيه ! فما المخرج بعقيدة سليمة و طمأنينة؟


الإجابة:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
إطلاق القول بأن الله تعالى منزه عن المكان لا يصح لعدم وروده في الشرع، ولا يعرف في كلام السلف، ثم إنه يوهم معنى فاسدًا، وغالب من يقرر ذلك الكلام، ويستعمله يريد به: نفي علو الله تعالى على خلقه، واستوائه على عرشه، فوق سمائه.

ونفي علو الله على خلقه ضلال، باطل، لا يجوز، وهو من أعظم ما خالف فيه الجهمية، وقد رد عليهم السلف، وقرروا أن ذلك: كفر برب العالمين، مناقض لما تواترت به النصوص الشرعية، وإجماع السلف، ومناقض لضرورة العقل، ومقتضى الفطرة السليمة.
ومع غلبة إطلاق هذه العبارة في المعنى الباطل، فلا مانع من سؤال قائلها عن مراده، لنبين له ما في مراده من المعنى الشرعي الصحيح، أو المقصد البدعي المردود، مع التنبيه على المنع من مثل هذه الإطلاقات الموهمة في حق الله تعالى.

فإذا قال القائل: (ننزه الله عن المكان) قلنا له: ماذا تعني بذلك؟
فإن قال: أعني به أن الله تعالى لا يحيط به شيء من مخلوقاته.
قلنا له: هذا معنى صحيح.
وإن قال: أعني بالمكان ما وراء العالم من العلو، فهو ينفي علو الله تعالى على خلقه.
قيل له: فهذا معنى فاسد باطل.

قال الشيخ ابن عثيمين :
"إن أراد بنفي المكان: المكان المحيط بالله -عز وجل- فهذا النفي صحيح، فإن الله تعالى لا يحيط به شيء من مخلوقاته، وهو أعظم وأجل من أن يحيط به شيء، كيف لا {والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه} [الزمر: ٦٧].

وإن أراد بنفي المكان: نفي أن يكون الله تعالى في العلو، فهذا النفي غير صحيح، بل هو باطل بدلالة الكتاب والسنة، وإجماع السلف والعقل والفطرة. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال للجارية: أين الله؟. قالت: في السماء. قال لمالكها: (أعتقها فإنها مؤمنة) (رواه مسلم).

وكل من دعا الله عز وجل فإنه لا ينصرف قلبه إلا إلى العلو، هذه هي الفطرة التي فطر الله الخلق عليها، لا ينصرف عنها إلا من اجتالته الشياطين، لا تجد أحدًا يدعو الله عز وجل وهو سليم الفطرة، ثم ينصرف قلبه يمينًا أو شمالًا أو إلى أسفل، أو لا ينصرف إلى جهة، بل لا ينصرف قلبه إلا إلى فوق" انتهى من (مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين ١/ ١٩٦ -١٩٧).

وإن عنى بقوله هذا: أن الله في كل مكان حيث لا يحصره مكان، فهو قول باطل أيضا، بل هو من أبطل القول، قال علماء اللجنة: "من قال: إن الله في كل مكان بنفسه وذاته، فهو حلولي خاطئ كافر، ومن قال: إن الله في كل مكان بعلمه لا بذاته فهو مصيب" انتهى من فتاوى اللجنة الدائمة – المجموعة الأولى (٢ /٣٨).

وقد فسر السلف -رحمهم الله- الاستواء بالارتفاع والعلو، ومنهم من فسره بالاستقرار، وأما تفسيره بالجلوس فليس مشهورًا ولا معروفًا عنهم، والورع ترك إطلاق هذه العبارة والوقوف في تفسير الاستواء على ما اشتهر نقله عن السلف -رحمهم الله-، قال الشيخ ابن جبرين -رحمه الله-: "الله تعالى وصف نفسه بأنه على العرش استوى في سبعة مواضع من القرآن، وفسر العلماء الاستواء بما يدل على العلو والارتفاع والاستقرار، والتزموا نفي العلم بالكيفية وتفويضها إلى الله، ولا أذكر في كتب السلف التفسير بالجلوس، فنسبته إلى أهل السنة أو أئمة الدعوة كذب عليهم. انتهى.

وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-: فأما تفسير استواء الله تعالى على عرشه باستقراره عليه فهو مشهور عن السلف، نقله ابن القيم في النونية وغيره، وأما الجلوس والقعود فقد ذكره بعضهم، لكن في نفسي منه شيء. انتهى.

والواجب عليك أيتها الأخت المسلمة ألا تفتحي باب الوساوس والشبهات على نفسك، وخذي العلم من أهله، واطلبيه من كتب أهل السنة، وعلمائها المعروفين قديمًا وحديثًا، ومنها: كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وكتب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، ومشايخ الدعوة أمثال: الشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين -رحمهم الله جميعًا- مع الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، وسؤال الله الثبات على الدين وعقيدة أهل السنة والجماعة.
هذا والله أعلم.


المجيب: د. مديحة بنت إبراهيم السدحان.
أستاذ العقيدة والمذاهب المعاصرة المشارك.
قناة اسأل البيضاء: ‏https://t.me/ask_albaydha

تم النسخ بنجاح.