اسأل البيضاء

م / ٥٨

ما معنى نسبة الحوادث للدهر؟


الإجابة:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

الدهر: الزمان قلّ أو كثر، وهو مدة الحياة الدنيا كلها.
ومعنى نسبة الحوادث للدهر: أي أنّ الفاعل الحقيقي للأحداث التي تحصل هو الدهر؛ ولا شك أن هذا المعنى يناقض الاعتقاد الصحيح بأنّ الفاعل الحقيقي والمدبر لها هو الله جلّ جلاله.

وصور نسبة الحوادث للدهر كالتالي:


١.
أن يقصد الخبر المحض دون اللوم؛ فهذا جائز، مثل أن يقول: تعبنا من شدة حر هذا اليوم، ومنه قول لوط عليه السلام: {هذا يوم عصيب}. قال الشيخ محمد بن إبراهيم في فتاويه (١/١٥١): "أما وصف الدهر بالشدة والرخاء والخير والشر فلا بأس بذلك".

٢.
أن يصف الدهر على أنه هو الفاعل، فهو بنفسه يقلب الأمور إلى الخير والشر، فهذا شرك أكبر؛ لأنه اعتقد أن مع الله خالقًا، فنسب الحوادث لغير الله.

٣.
أن يصف الدهر ويسبه لا على أنه الفاعل، لكن لأنه محل لهذا الأمر المكروه عنده وسبب كوني له فهذا محرم.

يقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك
بعدما سئل عن حكم ذم الدهر في أبيات شعرية: كقول الشاعر:

إِنَّ أخاكَ الحَقّ مَن كانَ مَعَك    وَمَن يَضُرُّ نَفسَهُ لِيَنفَعَكْ


 وَمَنْ إِذا ريبَ الزَمانُ صَدَعَك    شَتَّتَ فيكَ شَملَهُ لِيَجمَعَكْ


وقول الآخر:


قال حِمَارُ الحكيم تُوما   لو أنصفَ الدَّهرُ كنتُ أَرْكَبْ


لأَنَّنـي جَـاهلٌ بَسيــطٌ    وصَــاحبي جَاهـــلٌ مُـركَّـبْ


فكان جوابه:
"الدّهر اسمٌ لجملة الزمان الذي أجزاؤه: الليل والنهار والسّاعات، وهو ظرف لما يحدثه الله مِن الأحوال والأعمال التي سبق بها علم الله وكتابه، وتجري على وفق مشيئته تعالى وتقديره، وهذا شامل لكل ما يقع مِن خير وشر؛ فالكلّ بقدر الله.  ومِن أصول الإيمان: الإيمانُ بالقدر خيره وشره، وحلوه ومُرِّه مِن الله تعالى، خلقًا وتقديرًا ومشيئة، وأمّا الدهر فلا فعل له في خير ولا شر، فنقول: حدث كذا في يوم كذا أو ليلة كذا، وحدث في غابر الدّهر كذا، ولا نقول: أحدث الدّهر كذا، وفعل الدهر كذا، كما لا يُقال: جمعَهم الدّهر وفرقهم الدّهر، أو أهلكنا الدهر، كما قال الكافرون: {وَمَا يُهۡلِكُنَآ إِلَّا ٱلدَّهۡرُۚ} [الجاثية: ٢٤]. ونسبة حوادث الشّر إلى الدهر: نوعٌ مِن سبّه، وجاء في الحديث القدسي: [يؤذيني ابن آدم؛ يسبُّ الدّهرَ وأنا الدّهرُ، أقلبُ الليلَ والنّهارَ].

وعلى هذا: فلا يجوز نسبة شيء من الحوادث إلى الدهر، لا خير ولا شر، بل هو كفر من عمل الجاهلية، حيث كان كثير من العرب في جاهليتهم ينكرون البعث بعد الموت ويزعمون أنه ليس هناك حياة إلا الحياة الدنيا يموت قوم ويحيا آخرون ويزعمون أن الذي يفنيهم هو مرور الأيام والليالي فكانوا يقولون
كما أخبر الله عنهم: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ}.

واشتمال الكلام شعرًا أو نثرًا على معنى مذموم لا يسوغه اقترانه بمعنى ممدوح، بل يجب إعطاء كلّ معنى حكمه شرعًا، وهذا هو العدل
{وَإِذَا قُلۡتُمۡ فَٱعۡدِلُواْ} [الأنعام: ١٥٢]، فيقال فيما اشتمل على مثل هذا: فيه حقّ وباطل، وهذا النوع مِن الشعر المسؤول عنه لم يصدر ممن يعتد بقوله، ويستدلّ بتعبيره على جوازه، بل الغالب أنّ قائلي هذا الشعر جهالٌ بأحكام الشّريعة، وأهم ما لديهم الإبداع في الألفاظ والمعاني، ولا يحترزون مما قد يدخل في كلامهم مِن المخالفات الشّرعيّة، ولهذا ذمَّ الله الشعراء، فقال سبحانه: {وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ*أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ*وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ} [الشعراء: ٢٢٤-٢٢٦]، واستثنى مِن ذلك الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فقال سبحانه: {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} [الشعراء: ٢٢٧]

وبناء على ما تقدم؛ أقول: إنّ قول الشّاعر: (وَمَنْ إِذا ريبَ الزَمانُ صَدَّعَكْ) ليس فيه نسبة الفعل إلى الزمان، وإنّما فيه إضافة الريب -وهي الحوادث- إلى الزمان، مِن إضافة الشيء إلى وقته، وهذا جائز،
كقوله تعالى حكاية: {بَلۡ مَكۡرُ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ} [سبأ: ٣٣]. وأما قول الشاعر: (لو أنصفَ الدَّهرُ كنتُ أَرْكَبْ) فقد نسب الشاعر إلى الدهر أنه يُنصف ولا يُنصف، فإن كان يعتقد حقيقة هذا المعنى فهو على طريق أهل الجاهلية، وإلا: كان خطأ في التعبير لاحتماله المعنى المذموم.

المرجع بتصرف:
اضغط هنا.

هذا والله أعلم.


المجيب: أ. جمانة بنت طلال محجوب.
باحثة دكتوراه بكلية الدعوة وأصول الدين، جامعة أم القرى.
قناة اسأل البيضاء: ‏https://t.me/ask_albaydha

تم النسخ بنجاح.