اسأل البيضاء

م / ٤٧

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يربط بعض الناس قوله ﷺ (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) بأمور أخرى، كقولهم: إن كنتِ تظنين أن زوجك سيطلقك فسيطلقك ولو بعد حين، وإن ظننت أنك ستعيش حياة سعيدة فستكون كذلك؛ لأن لكل امرئ ما نوى، مستدلين بالحديث أعلاه، يعني بحسب نيتك ترزق.

فما قولكم في ذلك؟
جزاكم الله خيرا


الإجابة:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:


هذا الحديث الصحيح مما تم استغلاله وتأويله ليتوافق مع الطرح الفلسفي عند القائلين بجذب القدر، ثم شاعت هذه المفاهيم المغلوطة بين عوام الناس عبر وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة.


فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [
إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ وإنَّما لِكلِّ امرئٍ ما نوى فمن كانت هجرتُهُ إلى اللَّهِ ورسولِهِ فَهجرتُهُ إلى اللَّهِ ورسولِهِ ومن كانت هجرتُهُ إلى دنيا يصيبُها أو امرأةٍ ينْكحُها فَهجرتُهُ إلى ما هاجرَ إليْهِ] (متفق عليه).

فمعنى الحديث واضح من سياقه، حيث ورد في الحث على الإخلاص في العمل، وبيان أن الأجور مترتبة على ما ينويه الإنسان بعمله لا على مجرد قيامه به في الظاهر.


قال النووي:
"معناه: من قصد بهجرته وجه الله، وقع أجره على الله، ومن قصد دنيَا أو امرأة فهي حظه، ولا نصيب له في الآخرة بسبب هذه الهجرة".

ولم يقل أحد من السلف -ما قاله فلاسفة المتأخرين- إن قوله ﷺ: [لكل امرئ ما نوى] يعني: أن ما ينويه الإنسان أو "يظنه" يكون. فإن هذا القول -مع عدم موافقته لظاهر الحديث-
مخالف للغة والشرع والحس والعقل:

• أما اللغة
فإن النية هي: قصد القلب، وعزمه على فعل شيء. والظن هو: التردد بين النقيضين، ويأتي بمعنى اليقين. ولا تداخل بين معنى النية ومعنى الظن.

• وأما الشرع
فقد قال جل جلاله في يهود بني النضير: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ۚ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا ۖ وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا} [الحشر: ٢]، فقد ظن المؤمنون ظنًا وظن اليهود ظنًا، فما حصل الذي ظنوه. وقال تعالى: {حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ} [يونس: ٢٤]، فلم يغنِ عنهم ظنهم شيئًا ولم يتحقق ما ظنوه.

• وأما مخالفته للعقل
والحس فيشهد له الواقع، فكم من الناس خالف قدره ظنه؟ وكم منهم نوى أمرًا فما أتمه الله له؟

فالمقصود:
إن الاستدلال بالحديث على هذه الفكرة لا يستقيم، فلا يجوز لو كانت صحيحة، فكيف والقول بجذب القدر مخالف لأصول العقيدة؟

هذا والله أعلم.


المجيب: د. هيفاء بنت ناصر الرشيد.
دكتوراه في العقيدة والمذاهب المعاصرة، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
قناة اسأل البيضاء: ‏https://t.me/ask_albaydha

تم النسخ بنجاح.