اسأل البيضاء

م / ٢٧

ما صحة الرسالة المنتشرة بعنوان (ما الناصية ولم هي كاذبة؟) المنسوبة لعبدالمجيد الزنداني.
وفيها أن هناك بحث عن الناصية قدمه عالم كندي، قال فيه : منذ خمسين سنة فقط تأكد لنا أن جزء المخ الذي تحت الجبهة مباشرة “الناصية” هو المسئول عن الكذب والخطأ وأنه مصدر اتخاذ القرارات .. فلو قطع هذا الجزء من المخ الذي يقع تحت العظمة مباشرة فإن صاحبه لا تكون له إرادة مستقلة ولا يستطيع أن يختار
ولذلك قال الله {ناصية كاذبة خاطئة}
ولحكمة إلهية شرع الله أن تسجد هذه الناصية وأن تطأطئ له فتخرج الشحنات السالبة من الرأس إلى الأرض ويصل الدم إلى أجزاء الدماغ كلها فيغذيها بالشحنات الموجبة التي يحتاجها ولأن في الدماغ شعيرات دموية لا يصل إليها الدم إلا بالسجود وهذة من حكمة الله سبحانه وتعالى.


الإجابة:

الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أما صحة نسبة الرسالة للدكتور الزنداني فلم أقف عليه، ولكن لي مع محتواها عدة وقفات:
الأولى: أن ثمة دراسات علمية تشير إلى زيادة نشاط الدماغ في المنطقة الأمامية أثناء الكذب، وذلك أن هذه المنطقة تعتبر مركز التحكم التنفيذي المتعلق بالتخطيط وحل المشاكل، والنشاط في هذه المنطقة يزداد عند وجود أي جهد فكري أو تخطيطي، وليس حصرًا على الكذب. كما أن آلية عمل الدماغ في الكذب لا يزال مجهولًا.

لكن الإشكالية ليست في صحة النظرية أو عدمها، وإنما تكمن في أمرين:
١- أن هذه نظرية علمية وليست حقيقة ثابتة، والنظريات ظنية قابلة للنقض والتبديل، فتفسير الآيات القرآنية وربطها بنظريات ظنية لا يصح، قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: «إذا جعلنا القرآن دالاًّ على هذه النظرية ثم تبين بعد أن هذه النظرية خطأ، معنى ذلك أن دلالة القرآن صارت خاطئة، وهذه مسألة خطيرة جدًّا».
٢- الأصل أن القرآن الكريم يفسّر بمدلولات وأساليب اللغة العربية لا بالاصطلاحات الحديثة، ومن المعروف أن من الأساليب العربية إطلاق الناصية بقصد صاحبها، قال الطبريّ: «ووصف الناصية بالكذب والخطيئة، والمعنى: لصاحبها». وقال في قوله {آخذٌ بناصيتها}: «العرب كانت تستعمل ذلك في وصفها من وصفته بالذلة والخضوع، فتقول: (ما ناصية فلان إلا بيد فلان)، أي : أنه له مطيع يصرفه كيف شاء. وكانوا إذا أسروا الأسير فأرادوا إطلاقه والمنّ عليه، جزُّوا ناصيته، ليعتدّوا بذلك عليه فخرًا عند المفاخرة. فخاطبهم الله بما يعرفون في كلامهم». فالمقصود: أن هذه النظرية -وإن صحت- لا يحسنُ ربطها بالآية وتفسيرها بها.

أما الشق الثاني من الرسالة فيتضمن مغالطات علمية وشرعية.
أما العلمية فتظهر في عدم صحة القول بأن في الجسم الصحيح شحنات سالبة، ولا يصح أن الأرض تشحن بالشحنات الموجبة، فهو توظيف لمصطلحات مزيفة لا يمكن أن يُبرر بحسن القصد. ولو افترضنا -جدلًا- وجودها لما وجدت الحاجة لوضع الرأس على الأرض، إذ لا فرق بين الرأس وسائر الأعضاء في توصيل الكهرباء.
وأما الخطأ الشرعي فيكمن في صرف العبادات التي يجب استحضار نية التعبد والإخلاص فيها إلى تبريرات وافتراضات خرافية.
فكيف تُربط هذه العبادة الجليلة بهذه المنافع الباطلة التي يُمكن أن يُحصّلها من سجد للشمس أو البقر أو الشجر؟ ولو قيل في هذا الفعل إن فيه منفعة دنيوية فقط لكان أهون.
هذا والله أعلم.


المجيب: د. هيفاء بنت ناصر الرشيد.
دكتوراه في العقيدة والمذاهب المعاصرة، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
قناة اسأل البيضاء: ‏https://t.me/ask_albaydha

تم النسخ بنجاح.