اسأل البيضاء

ق / ٣ / ٣

ما هو قانون الاستحقاق؟ وهل يمكن أن يوجد بدائل لهذا القانون في الإسلام؟


الإجابة:

الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

إن مصطلح قانون الاستحقاق يقوم على فلسفة قانون الجذب وهو يختلف تماماً عن مصطلح الاستحقاق المالي المتعارف عليه في باب المعاملات المالية.

وقد وقع الخلط  بين الحق والباطل في هذا المصطلح بسبب الاشتراك اللفظي في المسمى؛ إلا أن هذا الاشتراك أوجب تعرية هذه القوانين من أصولها الفلسفية الإلحادية.

 وهذا القانون أصله فلسفة تشكيل الواقع بحسب مايعتقد به الإنسان ويفكر به!  لا بحسب ماكتبه  الله ﷻ وقدره  له! تعالى الله عن ذلك.

ويعني قانون الاستحقاق: الزعم  بأن الإنسان هو المتصرف بالخير والشر بحسب مايعتقده من استحقاق داخلي، فإن كان يعتقد ويشعر باستحقاق الغنى فلابد أن يصبح غنياً -كما يزعمون- وإن كان لايشعر باستحقاقه للغنى فلن يكون كذلك! وهكذا! وماعليه إلا أن يكرر الجمل التي تتضمن مايريد أن يحصل عليه كي يتحقق ما يريد! ويزعمون كذلك أن إيمانه بأنه يستحق يجعل الآخرين يعطونه مايستحق ويفتح له أبواب العالم ليعطيه مايستحق!

وأما المخالفات العقدية لهذا القانون فهي كثيرة منها:

١ أنه أحد إفرازات الفلسفة المنحرفة عن عقيدة التوحيد والتي تنتهي إلى تأليه الذات وصرف خصائص الربوبية للإنسان كتدبير الكون وجلب النفع والضر، ومنازعة الله تعالى في ملكه بجعل الإنسان هو المتصرف بالكون بجلب النفع والضر بمجرد إطلاق مشاعر استحقاقه في الكون!

والله تعالى هو مالك الملك وبيده الخير وحده القائل في كتابه: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: ٢٦]

والقائل سبحانه: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ۚ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ ۚ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [يونس: ٣١].

١. أن هذا القانون مناقض لأصل الإيمان بالقدر؛ لأنه يبني حصول النفع والضر على مشاعر الإنسان ومعتقداته وليس على ما يقدر الله تعالى القائل في كتابه: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: ٤٩].

٣. أن هذا القانون قول على الله بلا علم ومخالف لنصوص الوحي من الكتاب والسنة فالنصوص تدل على أن ما يرزق الله الإنسان من غنى أو نعم أخرى دنيوية لا تدل بالضرورة على استحقاق الإنسان لها، فكم أنعم الله على العصاة والفساق والكفار استدراجاً لهم.

قال تعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ} [الأنعام: ٤٤].

٤. أن الإيمان بهذا القانون أقبح مما يؤمن به المعتزلة الذين يقولون بإيجاب أمور على الله، لأن من يعتقد بهذا القانون يرى أن الإنسان هو المتصرف والمالك للاختيار! -تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا-.

إلى غير ذلك من الانحرافات العقدية التي يؤول إليها قانون الاستحقاق المزعوم من شعور بالاستغناء عن الخالق جل وعلا، واعتداد بالنفس، وشعور بالجزع  إذا لم يحصل الإنسان على ما يزعم استحقاقه! وامتلاء القلب بالاعتراض على الخالق المدبر المانع المعطي بحكمته ورحمته وعدله.

وعلى هذا لا يوجد بديل للاستحقاق في الإسلام؛ لأن قانون الاستحقاق مبني على فلسفة أن الإنسان يستطيع صنع قدره بنفسه عن طريق التواصل مع ذبذبات كونية تقوم مقام الخالق -سبحانه- في الخلق والإيجاد والتدبير.

وأما عقيدة التوحيد الصحيحة فهي تربي المؤمن على إفراد الله ﷻ بالملك والتدبير ومطلق النفع والضر، وتملأ قلبه يقيناً بأنه لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع فهو ﷻ الذي بيده الخير كله وهو على كل شيء قدير؛ فيثمر ذلك العزة عما في أيدي الناس، وسؤال الله وحده من خيري الدنيا والآخرة، مع بذل أسباب الرزق الصحيحة والعمل الجاد في مناكب الأرض، ثم شكر الله تعالى وحمده لحصول نعمه السابغة، فيتقلب العبد بين مراتب العبودية لربه ونعيم عطائه الممتد إلى دخول الجنة بإذن الله ﷻ.

حتى وإن رأينا من يستدل بآيات قرآنية وأحاديث خلال حديثه عن قانون الاستحقاق، فإنما هو من باب أسلمة القانون وتحريف النصوص الشرعية، واستدلال في غير محله؛ لكي تتوافق مع هذا القانون الكوني الفلسفي الخطير.

هذا والله وأعلم.


المجيب: د. ثريا بنت إبراهيم السيف.
دكتوراه في العقيدة والمذاهب المعاصرة، جامعة المجمعة.
قناة اسأل البيضاء: ‏https://t.me/ask_albaydha

تم النسخ بنجاح.