اسأل البيضاء

ق / ١ / ٨

السلام عليكم
ما صحة هذا الكلام؟
قانون الارتباط: أي شخص أو شيء تشعر أنك مرتبط فيه سوف يتلاعب فيك ويؤثر على طاقتك كلما زاد ارتباطك بشيء تحكم بك ارتبط بالله وحده فهو سبحانه مصدر كل الطاقات الكونية الارتباط يساوي حب مشروط الغفران عكس الارتباط.


الإجابة:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
في الصورة المرفقة الكلام عن قانون "فك الارتباط" أو "فك التعلق"، وتوكيد على فك الارتباط بالسلبية، إذ إنّ الارتباط بالأشخاص السلبيين مثلا، ينتج عنه جذب السلبية لحياتك، كما في زعمهم، ولذلك فلابد من التحرر من الارتباط السلبي حتى تتخلص من جذب السلبية لحياتك.
فكل ارتباط ملزم هو ارتباط سلبي -حسب زعمهم- ولفك الارتباط عندهم عليك بغفرانك لنفسك فهي نقطة الانطلاقة -كما يظنون- وغفرانك للآخرين. فالإنسان - عندهم - هو المتحكم بقدره، وهو الذي يسيره ويدبره عن طريق أفكاره، فإذا ارتبط سلبيًا جذب لنفسه الأقدار السيئة، وإذا فك الارتباط وتحرر منه وارتبط إيجابيًا جذب لنفسه الأقدار الجيدة.

وهذا هو عين قول "القدرية" الذين يقولون بأنّ الإنسان هو الذي يخلق فعل نفسه، وأنّ له إرادة مستقلة عن الله تبارك وتعالى.
وهذا القانون يخالف العقيدة في الإيمان بتوحيد الربوبية، إذ إنّه يقوم على الاعتقاد بأنّ الله هو الرازق المدبر، بينما هؤلاء نازعوا الرب خصائص ربوبيته، ونسبوها لأنفسهم -سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً-.

أضف إلى ذلك ما يترتب عليه من إسقاط أحكام الشرع المتعلقة بالعلاقات الملزمة كالوالدين والزوج والأبناء والأرحام وأهل العلم وأولي الأمر...وغيرهم؛ وأن التحرر من الإلزام وقطع العلاقات معهم أو إقصاءها هو تنصل من الحقوق والواجبات التي أمرنا الله بها وهي مُلزمة، وعدم تأدية حقها كما أمر الله قد يوقع في كبائر الذنوب من عقوق والدين أو قطيعة رحم.
كما أنّ ادعاء امتلاك الغفران للنفس فيها تجاوز لمقام العبد، الذي قال الله ﷻ عنه: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}. وفيها مخالفة لما ينبغي أن يكون ذا نفس لوّامة، يخشى ربه ويخاف من ذنبه وتقصيره ويرجوه المغفرة وقبول توبته.

للاستزادة: انظر تفصيل مخالفة قانون الجذب للعقيدة في جواب سؤال سابق في القناة: مرفق ١ | اضغط هنا. مرفق ٢ | اضغط هنا.

وهو مختلف تمامًا الاختلاف عن حال العبد الذي يدعو الله بتحقيق أمر ما، ثم لا يحصل ويطيل الدعاء ولا يتحقق، وبعد فترة ينساه أو يتوقف عن الدعاء والتفكير فيه فيحصل له ويتحقق؛ فليس التشابه بينهما يعني المطابقة، بل هذا من تمام الجهل، فإن الدعاء ذل وخضوع وطلب وافتقار ومسكنة بين يدي الله تعالى، وهو حقيقة العبادة كما قال ﷺ في الحديث: [الدعاء هو العبادة]، إذ إنه يظهر حقيقة مقام العبد بين يدي سيده ومولاه فيطلبه ويرجوه ويلح عليه؛ خلافًا لأصحاب قانون "فك الارتباط" أو "فك التعلق الإلحادي" القائم على الزعم بأن التفكير وقطع التفكير هو الجالب للرغبات بذاته، الذي هو موافق لقول قارون: "إنما أوتيته على علم عندي".

كما أنّ الدعاء واليقين بالإجابة راجع إلى حسن الظن بالله تعالى، وبصفته سبحانه أنه يجيب الداعين، وأنه كريم بر جواد يعطي السائلين، لا حسن ظن بالنفس وتعلق بالمطلوب؛ حيث أن الداعي إذا لم يتحقق عين مطلوبه الذي أراده، انتقل من حسن ظنه بالله بتلك الأسماء، الكريم، المعطي…، إلى حسن ظن باسم وصفة أخرى من صفات الله تعالى، مثل: أنه الخبير العليم الحكيم، فلا يجزع ولا يضطرب، فهو راضٍ عن الله في كل أحواله.

على خلاف قانون فك الارتباط وأمثاله من الجذب وغيرها، فإن ظنهم متعلق بتحقيق المطلوب الدنيوي فقط، وهو والله عين اتباع الهوى والله وراء الشهوات والرغبات.

كما أنّ الداعي عند الدعاء يقينه بأن دعاءه مستجاب حتمًا، سواء تحقق عين مطلوبه الذي يريده، أو غير ذلك مما جاء بيانه في حديث النبي ﷺ: [ما من مسلِمٍ يَدعو ليسَ بإثمٍ و لا بِقطيعةِ رَحِمٍ إلَّا أَعطَاه إِحدَى ثلاثٍ: إمَّا أن يُعَجِّلَ لهُ دَعوَتَهُ ، و إمَّا أن يَدَّخِرَها لهُ في الآخرةِ، و إمَّا أن يَدْفَعَ عنهُ من السُّوءِ مِثْلَها قال: إذًا نُكثِرَ، قالَ: اللهُ أَكثَرُ" أخرجه البخاري. ويقينه بأن اختيار الله له خير من اختياره لنفسه. فتحقيق إجابة الدعاء يرجع إلى تدبير اللطيف الحكيم الخبير، وإلى مشيئته سبحانه، إن شاء أعطى وإن شاء منع، وإن شاء عجل وإن شاء أخر، وليست عملية تلقائية يتصرف الإنسان بأقداره كيف شاء بأفكاره وكلماته، كما في قانون فك التعلق والجذب وغيرها، والتي هي انتقال من مقام العبودية إلى مقام الربوبية، كحال فرعون: "أنا ربكم الأعلى".

وأخيرًا فإن الله تعالى يُربي عباده بالمنع والعطاء ويدبر شؤونهم ويصرفهم بالقبض والبسط، فقد يكون الداعي الذي ألح على الله أياما وليالي كثيرة، يرجو أمرًا معينًا، وكان قلبه معلق به، لم يعطه الله ذات مراده في ذلك الوقت لحكمة أرادها، ولعل من تلك الحِكم، تعلق قلب العبد بذلك المطلوب، وأنه له فتنة في ذلك الوقت، فيؤخره له إلى وقت أصلح له ولقلبه، فلما هدأ قلبه واستكن، وقلّ تعلقه بمطلوبه، أعطاه إياه، وذلك ليربي قلبه بأنه سبحانه أعلم بحاله وبما يصلحه. وغيرها حِكم كثيرة، ولكن قلّ من يفقه تربية الله لقلبه، وهم الذين فقهوا أسماء الله وصفاته، نسأل الله أن يجعلنا منهم.
هذا والله أعلم.


المجيب: أ. جمانة بنت طلال محجوب.
باحثة دكتوراه بكلية الدعوة وأصول الدين، جامعة أم القرى.
قناة اسأل البيضاء: ‏https://t.me/ask_albaydha

تم النسخ بنجاح.