اسأل البيضاء

ق / ١ / ٦٤

• السؤال:

أرجو سماع المقطع الصوتيوالرد عليه ردا علميا، لأنه انتشر كثيرًا، وعندما سمعته وجدت فيه كلاما صحيحا وكلاما خاطئا.
مرفق: مقطع صوتي تستنكر صاحبته على أخرى قولها: أن حياتها كلها أحزان، مُحذّرة من تأثير الكلام على الواقع، ومستشهدة بمقولة: “البلاء موكل بالمنطق”.


الإجابة:

الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: 

فيبدو أن الناصحة في المقطع الصوتي المرفق تريد الخير، ولكنّها خلطت بين حق وباطل، وتفصيل ذلك فيما يلي: 

١. إن اعتياد الإنسان على التشكي، وإكثاره من التبرم مما يمر به، وجحوده نعم ربه سبحانه هو بالفعل أمرٌ مذمومٌ، ويتضمن اعتراضا على الله -عز وجل-، وهو من التسخط المنهي عنه، كما في الحديث: [إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله -عز وجل- إذا أحب قومًا ابتلاهم؛ فمن رضي فله الرضى ومن سخط فله السخط]، أي من الله تعالى، ومن جملة هذا الوعيد ضيق الصدر وطول الهم، الذي قد يحبط ويُقعد عن العمل، والسعي في تجاوز البلاء، وهذا المعنى صحيح نافع، ولعله هو قصد الناصحة.

٢. أما ربط استنكارها عبارة "حياتي كلها أحزان" بأن هذا القول بذاته سيجذب لها الأحزان غير صحيح، وهو معنى (قانون الجذب الروحاني) الذي يخالف الاعتقاد بأن الله -جل وعلا- هو وحده المدبر وبيده تصريف الأمر وتقدير القدر، فإذا قال قائل: بل إن الله يفعل ويُقدر والجذب سبب، يقال له: إن الأسباب من جملة خلق الله، وهو لم يجعل الجذب سببا، فإن قيل: إنما الجذب من الدعاء، أجيب عن ذلك بأن الدعاء مناقض للجذب من كل وجه، فالدعاء عبادة مشروعة دل عليها الكتاب والسنة، وهو تضرع وتذلل لله رب كل شيء ومليكه، وهو خاضع لأمر الله فمتى شاء استجاب تفضلا ومنّة، وإن شاء منع لحكمة، أما الجذب فهو غير مشروع ولم يدعُ إليه النبي ﷺ  ولم يفعله، وألفاظه توكيدات وترديدات ما أنزل الله بها من سلطان، وهو اعتماد على النفس وقدراتها وطاقتها، واستغناء عن ربها وباريها، وأهله يوجبون وقوع ما يجذبون، ويدّعون استحقاقهم لما يطلبون، ومن ذا الذي يوجب على الله أو يستحق عليه -جل وعلا- شيئا؟!

ومن محاولة تلطيف أهل قانون الجذب لهذا الباطل: نسبته إلى (العقل الباطن)، وهو مصطلح له دلالات مختلفة بعضها مقبولة كالذاكرة البعيدة أو العمليات اللاإرادية، ولكنه في هذا السياق في غاية القبح؛ حيث يشرك (العقل الباطن) مع الله تعالى بالتدبير والتصرف، وأما إن زعموا تقدير الله لما يجذبونه فقد جعلوا بذلك إرادة الله تعالى تابعة لإرادة العبد، وهذه بعض أوجه مخالفة قانون الجذب، وبطلان العقل الباطن بمعناه الفلسفي، وللاستزادة حول الأمر يمكنكم الرجوع إلى إجابات سابقة في القناة:

مرفق ١ | اضغط هنا
مرفق ٢ | اضغط هنا


٣. المقولة المشتهرة "البلاء موكل بالمنطق" ليست حديثا، وتفسيرها بـ(قانون الجذب) تفسير خاطئ، ودعوة للتشاؤم من التلفظ بالكلمة السيئة وهذا من الطيرة المحرمة، مع ما فيه من معارضة للشرع والعقل والواقع.

ولتوضيح معناها ننصح بمراجعة بحث: البلاء موكل بالمنطق دراسة عقدية، اضغط هنا


ولا ينبغي الجزم بأن ما حصل في الحوادث التي استشهدت بها كان بسبب الأقوال التي نطق بها أصحابها، فقد يكون دعاءً استجيب، وقد يكون وافق قدرًا سابقا، أو قد تكون المصائب كفارة لأهلها، ويبقى حمل ما أصابهم على العقوبة واحدا من الاحتمالات لكنه بدون شك ليس بسبب تأثير الكلمة السيئة بل بسبب المعصية أو تمنّيها، والله أعلم.


٤. الكلمة والفكرة أو النية والرغبة ليست مغناطيسا للقدر، ولا تؤثر بنفسها في الجذب أو المنع وتشكيل الواقع، ولا يصح الاستدلال على ذلك بالنصوص كقول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَومٍ حَتّى يُغَيِّروا ما بِأَنفُسِهِم}، فالآية الكريمة في سياق بعيد عن معنى قانون الجذب، وهي تدل على أن الله تعالى لا يغير النعمة التي أنعمها على قوم، حتى يبدلوا حالهم من الطاعة إلى المعصية ومن الشكر إلى الجحود والبطر، فقد ينزل بهم حينئذ غضبه وينزع منهم نعمته، ولو قرئت الآية بتمامها لدلت على ما ينقض قانون الجذب، {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَومٍ حَتّى يُغَيِّروا ما بِأَنفُسِهِم وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَومٍ سوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُم مِن دونِهِ مِن والٍ} [الرعد: ١١]، وكذلك لا يصح الاستدلال على الجذب بما لم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة، كعبارة "تفاءلوا بالخير تجدوه" ويوجد جواب مفصل حولها في هذا الرابط: اضغط هنا


ختاماً: توقع الخير ورجاء فضل الله مما يُسعد الإنسان، وقد يحمله على مزيد من الاجتهاد في نيل مطالبه، فهو أمر محمود، لكن لا يربط به حتمية وقوع المطلوب، ولا ينسب للعقل الباطن تصرف خفي في الأقدار، فهذه عقيدة باطلة، ومنازعة لله تعالى في ربوبيته، فالقدر فعل الرب -جل جلاله-، وهو سره في خلقه، ولا يمكن الإحاطة بتدبيره -سبحانه-.

هذا والله أعلم.


المجيب: أ. عبير بنت خالد الحمزة.
ماجستير في قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
قناة اسأل البيضاء: ‏https://t.me/ask_albaydha

تم النسخ بنجاح.