اسأل البيضاء

ط / ١٥٣

أختي من المتأثرات بالعلوم الشرقية كالطاقة ونحوها, وقد كان ردها على ما قرأته من أجوبتكم التالي: “نعم أتفق هي علوم شرقية قد تكون فيها بعض العقائد المنحرفة وقد تستخدم من أشخاص في أغراض سيئة.. ولكن علم الطاقة وما يحويه من ممارسات هي قائمة على تجارب إنسانية ونحن لا نحرم التجارب الإنسانية لأنها غير إسلامية بل نرحب بأي تجربة، والحمد لله عندنا الميزان الذي يزن الأمور ونأخذ المفيد منها ونترك غير ذلك ..ووجد لها أثر طيب عند استخدامها بنية طيبة وبنية التشافي للوصول لأفضل نسخة ممكنة من ذواتنا.. الكون مسخر لنا وهذه العلوم فيها مفهوم التسخير واضح.. مثل فعالية الأحجار الكريمة وطاقة القمر والمجرات وفوائد الملح وهكذا.. المهم والقصد صلاح الإنسان وسعادته.

(والذين حرَّموا الطاقة) حرموا عقولهم التفكر والتعرف على تجارب إنسانية مختلفة ننا.. الحكمة ضالة المؤمن، فكرة التحريم هذه أشعر أنه جدار سميك ثقيل فولاذي أمام العقل والروح للانطلاق والمعرفة والتأمل والتفكر.. قل سيروا في الأرض…”. 

فما قولكم على هذا الرد؟


الإجابة:

الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فهذا الكلام غير صحيح وهو نفس ما يتذرَّع به المتأثرون بالوافدات الروحانية؛ من زعم نفع الطاقة وما شابهها، وعدم الضير في استخدامها مع سلامة القصد وثبوت النفع، مع الاستدلال على ذلك كله بالواقع وبكلام الله تعالى!

ويكفي في هذا الكلام بعض المصطلحات التي هي من صميم فلسفاتهم الخرافية، وهي:
فلسفة الطاقة الوثنية: وهي خرافة وزيف لا حقيقة لها، ولا يمكن إثباتها علميًا، فكيف يُقاس حكمها بحسب استخدامها أو بحسب نية مستخدمها؟
ومما ينبغي أن يعلم أن أمور العقيدة والدين التي جُعلت فيها مخالفة المشركين أصلاً من أصول الاعتقاد لا يُنظر فيها إلى نية فاعلها أو قصده؛ فيُعتبر متشبهًا بالكفار بمجرد الفعل وإن لم يقصد، فكيف والأمر في هذه الفلسفة الوثنية الوضعية؟!
ثم إن كل التجارب التي نُسبت إلى الطاقة -بلا استثناء- تجارب شخصية وليست تجارب علمية مثبتة، ولو كان الأمر يؤخذ من تجارب الأشخاص كائنين ما كانوا فما فائدة الوحي الذي جعله الله تعالى نورًا وهدى للناس وهو المعصوم وحده؟

نسخة للذات: (أي تعدد النسخ البشرية والمقصود بها -مجازًا- صفات الإنسان ومراحل حياته، والمواقف التي مرَّ بها…) وهذا المفهوم خطير جدًا؛ لأنه مأخوذ من اعتقاد وثني قديم عند الصوفية، ومعناه وجود ما يسمى بالإنسان الكامل الأول في الوجود والنشأة، ووجود نسخ متكررة من هذا الإنسان، وكل إنسان على قابلية واستعداد للتطور وبلوغ النسخة الكلية التي يدرك فيها الواصل الحقيقة: وهي أن الوجود واحد وما ثَمَّ خالق ومخلوق -عياذًا بالله-، وقد قفزت على هذا المعنى الروحانية الحديثة بما يسمونه "الأنا الزائفة" التي تشكِّل عائقًا للإنسان عن تطوره ويسعون للتخلص منه للوصول لـ "الأنا العليا" التي هي حقيقة ذات الإنسان.
وهذا القول ظاهر الفساد والبطلان؛ لأنه لا يميز بين خالق ومخلوق، وهو عين الإلحاد بما يسمى بعقيدة وحدة الوجود، التي تهدم أصلاً من أصول الإيمان وهو الإيمان بالله تعالى.

مفهوم التسخير: وهذا مما تروّج له سمية الناصر بما ليس من معناه الصحيح بل بما يخدم فكرتها حول اعتقادها في الكون، مثل قولها: "الكون يتحدث إليك، الكون يصغي إليك…"، وأن له رسائل خاصة لكل شخص وأنه تجب متابعتها بدقة وعدم إهمالها؛ لأنها لا يمكن أن تعود، وفي معرفة هذه الرسائل فائدة عظيمة للإنسان من حيث تغيير حياته نحو الأفضل وتحسين علاقاته، وأن إهمالها يجلب له العكس من ذلك، وفي نظري أن هذا المعنى داخل ضمن خرافة قانون الجذب.
كما يلحظ الخلط والتلبيس في الرد المرسَل كيف جعلت من أمثلة تسخير الله تعالى ما في الكون: فعالية الأحجار الكريمة! وطاقة القمر والمجرات! وفوائد الملح؟! كيف جمعت بين حقيقة وخرافة؟ وبين فوائد محسوسة مجربة وبين تجارب شخصية وهمية؟!

وقبل ذلك؛ فالتسخير الذي جعله الله تعالى لعباده هو فيما تقوم به الغاية العظمى والأساس من خلق الإنسان: وهي إفراد الله تعالى بالعبادة، وشكره على إنعامه وأفضاله التي لم يشركه فيها أحد غيره، والتي منها: تسخير الليل والنهار، والشمس والقمر، وما ذكر عز وجل تسخيره لمخلوقاته إلا في مقام شكره وإظهار منَّته، كما أن لفظ التسخير جاء في القرآن، بقول الله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الجاثية:١٣]، وقال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ*وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ*وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: ٣٢-٣٤].
فلم يرد لفظ "تسخير الكون"، "تسخير الدنيا"، إنما الذي ورد تسخير ما في الكون، وهدف تسخيره هو توحيد الله في عبادته وشكره.
وهذا يؤكد ضرورة العناية بالألفاظ الشرعية والتزامها وعدم استبدالها بغيرها؛ لأن ألفاظ الوحي فيها من النور والإحكام ما ليس في غيرها الذي يلبس الحق بالباطل بل قد يُبطن الباطل في لباس الحق!

"الحكمة ضالة المؤمن": هذه العبارة ليست بحديث مأثور وما كان حاله كذلك فليس بحجة، لا سيما وأن ما يُزعم تسميته حكمة هو من ضلالات الوثنيين أو خرافاتهم، وواجب المسلم هو الأخذ بالوحي وحسب في أمر الدين، أما أمور الدنيا فله الأخذ فيها بأفكار غيره وتجاربه ما لم تعارض الدين، فالإسلام لم يحرّم الاستفادة من تجارب الآخرين أو حضاراتهم وعلومهم إذا خَلَت مما يخالف الدين أو يعارضه وثبت نفعها في أمور الدنيا، أما زعم ثبوت هذه الفلسفات الخرافية كالطاقة وفروعها وأنه لا يضير استخدامها إذا سَلِم القصد وثبت النفع، فهو زعم باطل ولا يصح.
والاستدلال بقول الله تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ} في معرض أخذ الحكمة من أفكار الآخرين وتجاربهم، هو من وسائل التلبيس التي يتخذها المتأثرون بالروحانية وهو تحريف لكلام الله تعالى في استخدامه في غير موضعه، وقد قال عز وجل: {إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ*وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ} [الطارق:١٣-١٤].

وإلا فالحق أن الآية فيها أمر بالسير في الأرض لأجل أخذ العظة والاعتبار مما وصل إليه حال السابقين ممن خالف أمر الله تعالى وأنبياءه، ويدل عليه تكملة الآية: {فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ} [النمل:٦٩]، "فإن ذلك كان عاقبة إجرامهم، وذلك سنة ربكم في كلّ من سلك سبيلهم في تكذيب رسل ربهم، والله فاعل ذلك بكم إن أنتم لم تبادروا الإنابة من كفركم، وتكذيبكم رسول ربكم" تفسير الطبري.
فالأمر بالسير في الأرض هو لأجل الاعتبار ولا يكون إلا ببذل وعمل وسعي فيما ينفع، لا بمجرد التأمل والتفكر.
وسبحان الذي جعل في أمره ونهيه صلاحًا في الحال وفلاحًا في المآل، اللهم اهدنا وسددنا.
هذا والله أعلم.


المجيب: د. جوزاء بنت مساعد السعدون.
أستاذ العقيدة والمذاهب المعاصرة المساعد بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
قناة اسأل البيضاء: ‏https://t.me/ask_albaydha

تم النسخ بنجاح.