اسأل البيضاء

ط / ١٣

السلام عليكم ورحمة الله.. هل هناك علاقة بين الفلسفات الشرقية وبين النباتيين وبين أصحاب الحمية والتغذية الذين خرجوا مؤخرا بتقارير حول اللحم حتى أصبح منبوذا لدى كبار السن وفئة الشباب وبحجة أن النبي ﷺ لم يكن يأكل اللحم وإن وقع ذلك منه صلى اللّٰه عليه وسلم في مناسبة كوليمة أو شبه ذلك! فإن ذلك لا يأخذ حكم الأغلب!!
جزاكم اللّٰهُ خيراً وسدد خطاكم وزادكم علماً وزودكم التقوى.


الإجابة:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
يُطلق مصطلح "النباتية" أوما يُعرف بـ veganism على نمط حياتي يتجنب أصحابه الاستفادة من مشتقات الحيوانات في المطعم والملبس، ويعود هذا الموقف لأحد الأسباب التالية:
١. السبب الصحي: بحيث يعتقد الشخص النباتي أن للحوم والمشتقات الحيوانية أضرار صحية، وأنها سبب في زيادة الوزن وانتشار الأمراض الخطيرة، فيكون تركهم لها من هذا الجانب، ويُسمى ذلك dietery veganism.
٢. السبب "الأخلاقي": فيتجنب النباتيون مشتقات الحيوانات شفقة بها واعتراضًا على قتلها أو معاملتها بوحشية، وهؤلاء هم أكثر النباتيين نشاطًا في نشر مذهبهم.
٣. السبب "البيئي": وهو ما يترتب على الاعتقاد بأن الصيد واستخدام المنتجات الحيوانية يتسبب في اختلال البيئة، ومن ثم الكوارث الطبيعية.
٤. السبب "الروحاني": وهوالذي يعتقد أصحابه أن الغذاء وسيلة للترقي الروحي، وتحقيق الإشراق الصوفي، كما هو الحال في نظام "الماكروبايوتيك" على سبيل المثال.
وبناء على ذلك، فليس كل من تبنى أسلوب الحياة "النباتي" يكون متأثرًا بالفلسفة الشرقية، وإن كانت الأسباب السابقة قد تتداخل وتجتمع في بعض الأحيان.
ولذلك يختلف الحكم حسب الحال:
- فمن ترك اللحوم تعبدًا وتقربًا كان فعله بدعة منكرة وعمله مردود عليه، في صحيح مسلم في النفر الثلاثة الذين جاءوا إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن أعماله فكأنهم تقالوها فقال أحدهم: لا آكل اللحم. فأنكر النبي ﷺ فعله، وقال ﷺ: {من رغب عن سنتي فليس مني}.
- وأما من ترك اللحم اعترضًا على مبدأ قتل الحيوان وأكله -من حيث الأصل- واعتبار الذبح ممارسة وحشية أو بدائية فهو على خطر عظيم وهو معترض على حكم الله ورسوله ﷺ مبغضًا لشريعته، فإن الله قد أباح الذبح في أحوال واستحبه في أحوال وأوجبه في أحوال أخرى وهو سبحانه أعلم بخلقه وألطف بهم من قال سبحانه: {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير}.
- وأما من تركه رحمة وشفقة بالحيوان، فهو على خطر كذلك فإن الله شرع الذبح وهو أرحم الراحمين سبحانه، ورحمة هذا ليست في محلها، وقد قال عز من قائل: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍۢ دَرَجَٰتٍۢ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}.
- وأما من ترك اللحم اعتراضًا على سوء معاملة الحيوان في بعض الشركات ونحو ذلك -لا على أصل الذبح- فهذا محل نظر، ولا يظهر فيه اعتراض على حكم الله تعالى.
- وأما من ظن أن الذبح كله يخل بالتوازن البيئي ويتسبب في اختلال الطبيعة فهذا -أيضًا- على خطر عظيم في عقيدته، فإن في ذلك طعن في علم الله وحكمته وتدبيره لكن لو لم يقصد الذبح كله وإنما قصد تنظيمه وتقنينه (خارج الذبح الشرعي) لكان ذلك من الاجتهادات المباحة إذا كان مبنيًا على دليل علمي صحيح.
- وأما من تركه لأسباب صحية فإن جعل ذلك عامًا في جميع الأحوال كان ذلك اعتراضًا على حكم الله، وإن قيده بقيد صحيح (كمرض أو عمر أو كمية ونحو ذلك) كان اجتهادًا دنيويا مباحًا بحسب الأدلة وأقوال المختصين.
- وأما من ترك اللحم لأسباب روحانية فقد جمع بين الشرور، البدعة والاعتراض على حكم الله، وتقديم حكم غيره على حكمه سبحانه، فضلًا عما تتضمنه تلك الروحانيات من معتقدات باطلة فاسدة.

نسأل الله الهداية والثبات.
هذا والله أعلم.


المجيب: د. هيفاء بنت ناصر الرشيد.
دكتوراه في العقيدة والمذاهب المعاصرة، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
قناة اسأل البيضاء: ‏https://t.me/ask_albaydha

تم النسخ بنجاح.