اسأل البيضاء

ح / ٢ / ٢٢

السؤال عن صحة عدد من العبارات منها:

١- يجب أن أكون (أنا) لا أن أكون غيري! أعيش حياتي لا أعيش من أجل الناس.

٢. استفدت كيف أطوع أفكاري ومعتقداتي لحياة أفضل

٣. العمل باستمرار على الذات ، حتى يتغير مفهوم ما كان يحدث، إلى ما يحدث (*الآن*) لك.

٤. الحياة حلوة وجميلة تريد منا تغيير وتطوير حتى نصل ولازم نسمع لأنفسنا ونحرر مشاعرنا


الإجابة:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

العبارات المرفقة مع السؤال، تحتمل وجوهاً متعددة، سأتناول جوانب المخالفة منها فقط:

أولاً: العبارة الأولى
ما المقصود بأن أكون أنا ؟ 
إن كان المقصود أن لا أقلد تقليداً أعمى بغير هدى ودليل فهذا معنى صحيح.
وإن كان المقصود الرضا بالنفس على ما هي عليه؛ فالنفس ذكر من أوصافها في القرآن والسنة العجلة والبغي والحسد وانها أمارة بالسوء، وقد تكون فاجرة أو تقية، فهل نرضى بها على ما هي عليه؟ ابتلينا بهذه النفس وهذه الأنا لمجاهدتها وتعبيدها لله وفق أوامره ومحبوباته، واجتناب نواهيه ومساخطه؛ قال تعالى { قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها}.ولم يطلب منا العيش على مرادها والاستماع المطلق لها واتباع هواها، والقرآن مليء بالتحذير من اتباع الهوى كقوله تعالى: (وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)[ص:٣٦] وغيرها كثير.

جملة (أعيش حياتي لا أعيش من أجل الناس)، ظاهرها الحث على الأنانية وهذا مخالف لهدي الكتاب والسنة، قال الله تعالى{وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: ٩] قال ابن كثير: يبدؤون بالناس قبل أنفسهم.


وقال ﷺ: [مَن كانَ في حاجَةِ أخِيهِ كانَ اللَّهُ في حاجَتِهِ، ومَن فَرَّجَ عن مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عنْه بها كُرْبَةً مِن كُرَبِ يَومِ القِيامَةِ، ومَن سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَومَ القِيامَةِ]. (أخرجه البخاري ومسلم)، وقال [مَنْ نَفَّس عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبةً منْ كُرب الدُّنْيا نفَّس اللَّه عنْه كُرْبةً منْ كُرَب يومِ الْقِيامَةِ، ومَنْ يسَّرَ عَلَى مُعْسرٍ يسَّرَ اللَّه عليْهِ في الدُّنْيَا والآخِرةِ، ومَنْ سَتَر مُسْلِمًا سَترهُ اللَّه فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ، واللَّه فِي عَوْنِ العبْدِ مَا كانَ العبْدُ في عَوْن أَخيهِ.] (رواه مسلم).


وغيرها من الآيات والأحاديث الدالة على التكاتف والتآزر وبدل المعروف والسعي في حاجة الناس ومصالحهم.


وفي المقابل هناك نصوص توعدت من يعيش لنفسه أنانياً مانعاً خيره وإحسانه، كما قال تعالى في سورة الماعون: {أرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)} فشمل الوعيد بالويل للذي يمنع إعارة الناس ما لا يضره من الآنية وسائر المتاع، وهذا تحذير للأناني الذي لا يعيش إلا لنفسه.


وهذه المعاني التي بدأت في الانتشار اليوم من أخبار الغيب التي أخبر بها ﷺ فقال: [يتقارب الزمان، وينقص العمل، ويُلقَى الشحُّ، وتظهر الفتن] رواه البخاري ومسلم.


قال ابن حجر رحمه الله: " أما قوله: ويلقى الشح. فالمراد إلقاؤه في قلوب الناس على اختلاف أحوالهم؛ حتى يبخل العالم بعلمه، فيترك التعليم والفتوى، ويبخل الصانع بصناعته حتى يترك تعليم غيره، ويبخل الغني بماله حتى يهلك الفقير ..."


وأقول: حتى تبخل الأم على أولادها بالرعاية والحنان والتربية، ويبخل الزوج على أهل بيته بوقته وابتسامته وعطفه، ويبخل الابن على والديه بوقته وصحبته ... وينادون بالفردانية مرددين عبارات: (عيش لنفسك .. لا تحترق لأجل الآخرين ... ابتعد عن السلبيين .. اهجر من يمتصون طاقتك ووعيك ...). نعوذ بالله من هذه الحال.


ثانياً: العبارة الثانية
 قولهم: (أطوع أفكاري ومعتقداتي لحياة أفضل) 

-المعتقدات إن كانت صحيحة فلا تطوع بل الحياة التي تطوع على ضوءها : {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين}.

وإن كانت فاسدة فتترك ولاتطوع. 
-في هذه الجملة ما يشير إلى قانون الجذب، للاستزادة يراجع:
اضغط هنا | 
١ اضغط هنا| ٢ ثالثاً: العبارة الثالثة وهي موطن السؤال: هذه جملة تعبر عن معنى فلسفي يسمى (هنا والآن) أو العيش في اللحظة، يتبناه رموز الروحانيين مثل (إيكهارت تولي) حيث يزعمون أن التركيز على الذات والانقطاع التام عن المحيط، لإدراك (اللحظة و الآن)، يمَكّن الممارس من التحكم بمجريات الحياة والأقدار وقد يصرحون بأن إدراك (الآن) هو إدراك الإنسان ألوهية نفسه.  وهي باختصار  دعوة لعقيدة الفناء الصوفي في الإله وإدراك الوحدة معه. وهذه الفلسفة المنحرفة قديمة، توجد في بوذية الزن، والفلسفات الشرقية، وتعاد اليوم بعبارات محسّنة. وللاستزادة: اضغط هنا  العبارة الرابعة والأخيرة: -وصف الحياة بأنها حلوة بإطلاق، والدعوة للتمتع بها بلا ضوابط، من رواسب الفكر المادي مقطوع الصلة بالوحي، فوصف الحياة في نصوص الكتاب والسنة خلاف ذلك وهو خير ما تعرف به حقيقة الحياة الدنيا. قال تعالى: {وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور}، وقال سبحانه: {لا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور}. وقال ﷺ: [إنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وإنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَيَنْظُرُ كيفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا] - تحرير المشاعر يقصد به عدة معاني منها الصحيح والفاسد، ومن المعاني الباطلة المنتشرة: ادعاءات الروحانيين أن كظم المشاعر يولد عقداً وانسدادات في مسارات الطاقة بزعمهم، ويخفض مستوى الوعي، فتؤثر على صفاء النفس فتنحسر في دائرة أناه الوهمية التي تعيق الشخص عن معرفة أناه الحقيقية وهي ذات الإله -تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا-، وكل هذه معاني إلحادية خطيرة لا حظ لها من العلم والهدى ينبغي الانتباه والحذر منها. للاستزادة: اضغط هنا 
هذا والله أعلم.


المجيب: أ. جمانة بنت طلال محجوب.
باحثة دكتوراه بكلية الدعوة وأصول الدين، جامعة أم القرى.
قناة اسأل البيضاء: ‏https://t.me/ask_albaydha

تم النسخ بنجاح.