مقالات البيضاء

مكانة الإنسان في حركة العصر الجديد

أ. خلود بانعيم

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

لقد كرم الله الإنسان، وفضله على كثير من المخلوقات، وحباه بقدرات، وميَّزه عن غيره من الكائنات، قال تعالى:  ﴿ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم مـن الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفـــضيلا.

ورغم تكريم الله للإنسان إلا أنه عرَّفَه ضعفه وفقره إليه، قال تعالى في وصف طبيعة الإنسان: ﴿وخلق الإنسان ضعيفاً، وقال: ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد، وفي دعاء الكرب [فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين] ودعاء الهم والحزن [ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك]؛ اعتراف بعبودية الله وافتقار إليه وتسليم لقضاءه وحكمه، وفيها وفي غيرها من النصوص معاني عظيمة تؤكد التوحيد، والبراءة من حول النفس وقوتها. 

أمَّا نظرة «حركة العصر الجديد» وأتباعها للإنسان ومكانته في الكون فتتعارض مع الأصول العقدية التي يقوم عليها الإسلام، كما يناقض اعتقادهم بقدرات الإنسان المطلقة؛ النصوص الشرعية التي تنص على محدودية تلك القدرات وضعف الإنسان وعبوديته. فمنزلة الإنسان عندهم تتعدى المنزلة الطبيعية، بل لايتوارى أتباعها بتصريحهم بتأليه الإنسان أو إعلان مكانته العليا حسب معتقدهم الاساس: «وحدة الوجود»، فإن أصل الوجود عندهم واحد، يعبر عنه كثير منهم بـ «الإله»، والذي ليس إلا وجوداً مطلقاً، ثم إن ذلك «الإله» تشكل في المادة وتجسد المحسوس، ومع طول المدة ابتعد عن طبيعته ونسي أصله وهو في أبسط أشكال المادة. ثم أخذت هذه الكائنات البدائية بالتطور والنشوء والارتقاء إلى أن تشكلت في أرقى أشكال الوجود المادي المتجسد في الإنسان الذي يحمل بداخله «شرارة الإله». 

ولذلك فإن أسمى غايات «حركة العصر الجديد» هي استخراج تلك الشرارة، وإطلاق القدرات الكامنة، وتحرير «الإله» الذي بداخل كل إنسان، ومن ثم تدرك البشرية حقيقتها الإلهية!.

إن هذا هو معتقد «حركة العصر الجديد» في طبيعة الإنسان وحقيقته، وعليه تبنى كثير من التطبيقات التي تروج لها الحركة تحت ستار تنمية الذات والقدرات البشرية الكامنة. 

ولاشك أن مما يلزم القول بتأليه الإنسان عندهم أو احتوائه على شرارة إلهية؛ القول بأنه يمتلك قدرات خارقة كامنة أو متحققة، وهو ما التزمته «حركة العصر الجديد» دون تردد، وظهر جلياً في التنظير والتطبيق. فكان من أبرز تلك القدرات التي نُحلت الإنسان: القدرة على التحكم بواقعه وأقداره المستقبلية.

إن «الفكر» عند «حركة العصر الجديد» هو المتحكم في مجرى الواقع، وهو المتصرف الرئيس في أقدار الإنسان؛ ولذلك يعتقد أولئك أنه من خلال سيطرة الإنسان على أفكاره، يمكنه تشكيل واقعه حسب إرادته. وكل مايحصل في الكون -وفقاً لهذه النظرية المنحرفة- هو بتوجيه من الفكر البشري، سلبه وإيجابه. 

ويرجع هذا المعتقد -في أصله- إلى فكرتين أساسيتين:

الأولى: نابعة من الفلسفة الشرقية التي تجعل الوجود المادي وهم، ليس له وجود خارج الذهن، وبالتالي يمكن تحويره وتشكيله من خلال تعديل الفكر.

الثانية: الفلسفة الباطنية التي تجعل «الوعي» هو الوجود الأول، وهو «الإله» والحقيقة المطلقة، وكل مافي الوجود ليس إلا تجسيداً لذلك الوعي.  

فإذا أدرك الإنسان حقيقته الإلهية، التي هي وعي مجرد، أمكنه التحكم في الواقع من خلال تحوير الوعي. 

يؤمن أهل السنة بأن كل مايحدث في هذا الكون هو بعلم الله وكتابته ومشيئته وخلقه، قال تعالى:  ﴿ الله خالق كل شيءوليس شيئاً مما يكون هو من خلق البشر وإن كانوا فاعلين حقيقة، وقد حكموا بالكفر على من أنكر علم الله للمقادير قبل وقوعها، وعلى من ادعى بأن العبد يخلق فعله بالبدعة والضلالة. ولا شك أن القول بتأثير الفكر في الواقع هو أشد خطورة من قول القدرية؛ نفاة القدر القائلين بأن العباد خالقين لأفعالهم؛ فالقدرية يحصرون قولهم في أفعال العباد، بينما يعم قول الحركة كل مايحدث في الوجود، فالفكر هو المدبر المتصرف في الكون، وبناء عليه يتشكل الواقع. وهذا القول إنكار للقدر بالكلية، ونسبة للأمر الكوني إلى الإنسان!.

إن من لوازم تبني هذه الفلسفة من بعض أبناء المسلمين؛ استغناء العبد عن ربه وعن دعائه وقطع العلاقة به؛  لأن هذا القول يجعل الإنسان يعتقد أنه قادر على الوصول إلى مطلوبه بنفسه وبأفكاره، وليس على «الكون» سوى الاستجابة لمتطلباته، يقول صلى الله عليه وسلم معلماً الأمة التوحيد: [ إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله ]

والقدر ليس طوعاً للفكر، بل هو بتدبير الله عز وجل تابع لحكمته وما تقتضيه تلك الحكمة من غايات حميدة وعواقب نافعة للإنسان.

   

الفرق بين القول بتأثير الفكر في الواقع وبين مايسمى «التفكير الايجابي» أو مايعرف شرعاً بـ «الفأل»

ننبه على أنه لابد من التمييز بين أمرين مختلفين تماماً، قد يورث الخلط بينهما لبساً، فقول حركة «العصر الجديد» في أثر الفكر في الواقع ليس هو مايسمى «التفكير الايجابي» أو مايعرف شرعاً بـ «الفأل»، فإن الأول مجرد عن تأثير أي فعل آخر، فالمؤثر هو الفكر الصرف، ولايلزم القيام بفعل حسي، أو الإتيان بسبب، فإن مجرد التفكير كاف في تحوير الواقع وتحديد المصير. 

أما الفأل والتفكير الإيجابي إذا لم يقترنا بالعمل، وفعل السبب المؤثر، فإنهما مجرد أماني فارغة، لايقول بتأثيرهما عاقل.

 

المنهج الشرعي الصحيح لتحصيل مطلوب الإنسان

يعيش المؤمن مطمئناً في هذه الحياة بالإيمان والرضى بما قدره الله عليه، وباليقين أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطئه لم يكن ليصيبه ففي ذلك راحة النفس والقلب وعدم الحزن على مامضى، ولقد بين الدين الاسلامي للإنسان المنهج الشرعي الصحيح لتحصيل مقاصده ونيل مطالبه وهو قائم على أمرين لابد من الجمع بينهما:

الأول: التوكل على الله عز وجل والاعتماد عليه اعتماداً حقيقياً.

الثاني: الأخذ بالأسباب المأذون فيها.

“فمن جعل أكثر اعتماده على الأسباب نقص توكله على الله، فكأنه جعل السبب وحده هو العمدة فيما يصبو إليه من حصول المطلوب وزوال المكروه، ومن جعل اعتماده على الله ملغياً للأسباب، فقد طعن في حكمة الله لأن الله جعل لكل شيء سبباً، ولأن الحكيم يربط الأسباب بمسبباتها”.

والأسباب المأذون فيها قسمان:

  • أسباب شرعية: كالدعاء، وقيام الليل، وشرب العسل للشفاء وغير ذلك مما ثبتت سببيته بالنص الشرعي.
  • أسباب كونية قدرية: كالشرب للإرواء، والعمل لنيل الرزق، واستعمال العقاقير الطبية للشفاء وغير ذلك مما ثبت تأثيره في الواقع بتقدير الله.

وماسوى هذين من الأسباب فليس بسبب، واعتقاد سببيته شرك في الأسباب، مثل: اعتقاد سببية الفكرة في تشكيل الواقع.

ومن النصوص النبوية العظيمة التي ترسم للمسلم هذا المنهج: قوله صلى الله عليه وسلم: [المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير، احرص على ماينفعك، واستعن بالله، ولاتعجز، فإن أصابك شيء، فلا تقل : لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وماشاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان].

 

فالطريق الأقوم لتحصيل المقاصد في ضوء هذا النص يكون بــ:

  •  الحرص على ماينفع الإنسان، ومن الحرص الأخذ بأسباب تحصيل ماينفع.
  •  الاستعانة بالله عز وجل بصدق اللجوء إليه والتوكل عليه وحسن الظن به ودعاؤه.
  •  ترك العجز: وذلك بالأخذ بكل مباح يوصل إلى المطلوب.
  •  ترك التحسر عند فوات المطلوب، بقول: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، وليرجع الأمر إلى الله [قدر الله وماشاء فعل].

۱٤۳۹هـ


*هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا يمثل – بالضرورة – رأي الناشر.

المقالات الأخيرة