مقالات البيضاء

مدربات الأنوثة

أ. خلود الزعبي

يسعى معظم الناس لتطوير أنفسهم باكتساب المهارات النافعة والتعرف على العلوم الجديدة التي تكسبهم معارف مفيدة، وهذا شأن كل من يهتم بتحسين قدراته وتطويرها والتميز بالمهارات النافعة التي تكسب الحياة رونقاً جميلاً وانتاجية، غير أن ما يلفت الانتباه هي تلك الموجة الجديدة التي اكتظت بها مواقع التواصل الاجتماعي والقنوات الإعلامية والتي تبرز لنا مساراً جديداً في التنمية البشرية يعرف بمدربات الأنوثة والحياة! 

وفي هذا المقال سنلقي الضوء على هذا الطرح المعاصر من خلال المحاور التالية:

ما المقصود بمدربات الأنوثة؟ وماهي موضوعاتهن؟ وأدوات طرحهن؟ وما حقيقة هذا الطرح وحكمه في ميزان الشرع. 

أولاً: المقصود بمدربات الأنوثة. 

يأتي تعريف المدربات منطلقاً مما يقدمنه في طرحهن بأنه ” نوع من أنواع التنمية البشرية لمساعدة الفتيات على تعديل السلوك”  واكتشاف أنوثتهن المدفونة أو المسحوقة من التربية أو المجتمع، ومساعدة النساء على التوازن في المشاعر والأفكار وإدارة طاقتهن الأنثوية والذكورية بتوازن وفق فلسفة الطاقة الكونية  و”التدريب على القيم الأنثوية الموجودة في المرأة وطريقة إبرازها “ هذا بحسب زعمهن.

وتظهر هذه المساعدة من خلال النصائح والدورات  التي تطرحها المدربة والتي تدور حول  تغيير الأفكار من خلال الإيمان بفلسفة الطاقة الكونية وطاقة الأنوثة وضرورة التوازن معها والاعتقاد بفاعلية القوانين الروحانية الفلسفية المستمدة من الديانات الشرقية والحث  على اكتساب مهارات سلوكية جديدة، وتعلم الآداب العامة أو ما يعرف بـ”الإتيكيت” وخلط الفكرة الفلسفية “المزعومة” (طاقة الأنوثة) ببعض التوصيات النفسية والاجتماعية في إدارة المشاعر والأفكار والسلوكيات كالزعم بضرورة تغيير نبرة الصوت للمرأة  وطريقة الجلوس ونحوها من قشور الكلام الذي تقدمه مدربة الأنوثة للسيدات وتغطي  فيه حقيقة الطرح الفلسفي الخطير.

والمتتبع لطرح المدربات يجدهن على نوعين:

الأول: المتبني لفلسفة الطاقة الكونية والمعلم لها فيظهر في دوراتهن تطبيقات الطاقة الكونية وقوانينها المزيفة وأوهامها.

والنوع الثاني: المقلد لما هو موجود في الساحة دون إدراك حقيقي للمصطلحات الفلسفية المتداولة في هذا الطرح فنجد أن المدربة توصي باكتشاف طاقة الأنوثة ثم تعرفها بما لا يتصل بمفهومها الفلسفي وتمزج في طرحها المعلومات العامة والنصائح الاجتماعية والإرشادات النفسية بالقوانين الروحانية الفلسفية.

ثانياً: أبرز الموضوعات التي تتناولها مدربة الأنوثة والحياة

إن المتتبع لطرح مدربات الأنوثة يجد أن الموضوعات تدور حول ما يتصل بحياة المرأة مثل: (الأسرة والزوج والصحة والتشافي، المال والثراء، اتخاذ القرارات، إدارة العلاقات الاجتماعية وإدارة الذات). وتتناول المشكلات المتعلقة بهذه الجوانب المتعلقة بحياة المرأة من خلال الزعم بضرورة تعلم القوانين الروحانية وتفعيلها وفق فلسفة الطاقة الكونية فنجد كثيراً من الدورات تظهر بعناوين كـ(تفعيل طاقة الأنوثة- الوعي الروحي- الوعي الأنثوي- كاريزما الأنوثة- جذب الثراء وشريك الحياة- جلسة توكيدات أنوثة الصوت- حب الذات ورفع الاستحقاق الأنثوي- كيفية توازن طاقة الأنوثة والذكورة- برنامج نيات النية سر المعجزات ويشتمل على نيات الحب والزواج والإنجاب والتربية والمال والأعمال) وغيرها.

  وفي هذه الدورات تزعم بعض المدربات بأن: “قلة الوعي بطاقة الأنوثة والذكورة يؤدي إلى جذب أصدقاء غير صالحين أو زوج متسلط أناني،”!! فكأن النية وطاقة الجذب هي السبب في خلق العلاقات السيئة بحياة المرأة.

وتقول الأخرى:دورة إتيكيت روح الأنوثة تساعد المرأة على اكتشاف الأنوثة الحقيقية التي بداخلها وتقوية ثقتها بنفسها ورفع استحقاقها الأنثوي للوصول إلى الأنثى التي لطالما حلمت بها إذ تساعدها هذه الدورة على اكتشاف الأنوثة الدفينة الرائعة التي اختفت”! 

ومثل هذه الإعلانات التي توهم المرأة بفاعلية هذه الدورات وملامستها لاحتياجات وهموم النساء تدفع النساء للإقبال على هذه الدورات ظناً منهن أن ما يقدم هو نوع من أنواع التنمية البشرية النافعة ومن باب تطوير الذات دون إدراك لحقيقة هذا الطرح الفلسفي الخطير عقدياً والمضل لهن والمستغل لحاجتهن مادياً.

ثالثاً: الأدوات المتبعة في طرح ومعالجة القضايا والمشكلات المتعلقة بحياة المرأة من قبل مدربات الأنوثة

تقدم  مدربة الأنوثة القوانين الروحانية في فلسفة الطاقة الكونية على أنها مهارات سلوكية نفسية ونمط من أنماط التنمية البشرية الحديثة تمكن المرأة من حل مشكلاتها، ففي كل دورة  تقدم مدربة الأنوثة  قانوناً معيناً من القوانين الروحانية ممزوجاً بنصائح متفرقة نفسية واجتماعية  فتقدم البرمجة اللغوية العصبية زاعمة أنها نافعة في التغيير والتطوير، وقانون الجذب  في جذب الثراء وشريك الحياة والعمل المناسب والتنفس التحولي للاسترخاء والتوكيدات الصوتية مدعيةً أنها تغير نبرة الصوت لصوت أكثر أنوثة ورقة خلال عدة أيام، وقانون الانعكاس، والاستحقاق، والنية زاعمة بأن كل ما يحصل هو نتيجة لانعكاس أفكارنا ونياتنا وشعورنا النفسي باستحقاقنا لما نحب أو نرغب به والزعم بأن لذلك انعكاسا على الواقع. وغيرها من القوانين الروحانية الفلسفية ومن أبرزها: قانون الامتنان – قانون الاستحقاق – برمجة العقل الباطن- التنظيف الروحي – التوكيدات -قانون النية- قانون الانعكاس – الوعي الأنثوي-البرمجة اللغوية العصبية – قانون الجذب – التنفس التحولي أو العميق- الوعي الروحي.

ومن خلال هذه القوانين الفلسفية تتضح حقيقة هذه الدوارات وأصول هذا الطرح عقدياً وهي الإيمان بفلسفة الطاقة الكونية الوافدة إلينا من معتقدات الشرق الوثنية وفيما يلي بيان حكم الشرع في الاعتقاد بهذه الفلسفة وممارسة قوانينها وتطبيقاتها. 

رابعاً: حكم الشارع في الاعتقاد بفلسفة الطاقة الكونية والتي تقوم عليها هذه الدورات الأنثوية. 

إن الإيمان بفلسفة الطاقة الكونية هو اعتقاد بعقيدة إلحادية باطنية حيث ترتكز الفلسفة الشرقية على تصور للوجود والكون قائم على الاعتقاد بأن أصل الكون كلي واحد وكل ما في الكون تجليات له وبحسب الفلسفة الباطنية فالكون بدأ بانبثاق ثنائيات عن الطاو تسمى الين واليانج ومنهما نشأ الكون وتكونت المخلوقات والين واليانج قوى من الضرورة التناغم معها بالقوانين الروحانية لتحصيل السعادة والثراء والصحة وهذه القوانين الروحانية الإلحادية هي ما يقدم في هذه الدورات للنساء على أنها قوانين في التنمية البشرية تسعى إلى أن يبلغ المرء بها (أعلى درجات الوعي الفلسفية) وهي الاستنارة وحقيقتها أن يكتشف المرء حقيقته الإلهية ومن ثم يبلغ ما يشاء من السعادة والسلام والصحة وغيرها.

تقول مدربة الأنوثة: “كلما ازداد الإنسان في وعيه كلما قل مرضه وضعفه وقل ألمه لأنه بالنهاية سيختار خيارات واعية تجعله في دائرة الوفرة والقوة -إلى أن قالت- إذا وصلنا بفهمنا وإدراكنا إلى هذا البعد من الوعي فهذا يعني أننا اتصلنا بكمالنا الداخلي”

وبذلك يظهر لنا حكم هذه الدورات والتي تقوم على الاعتقاد بفلسفة الطاقة الكونية ومع خطورة هذا الطرح عقدياً إلا أن دورات مدربات الأنوثة تنتشر وتزداد والمتأمل لسيرتهن يجدهن في مجالات مختلفة فتلك مهندسة والأخرى معلمة والثالثة تمتهن الرقص وجميعهن يزعمن بتخصصهن في تطوير الوعي الأنثوي والكمال الأنثوي مما يدل على أن ما يقدم لا صلة له بالعلم ولا بالتخصص ولا بتطوير الذات والتنمية البشرية وإنما باب من أبواب تجارة الوهم.

يكثر في طرح مدربات الأنوثة الطرق على فكرة (قلبك يعرف) وفيها محاولة لإلغاء صوت العقل وذم العقل في مواطن كثيرة في محاضراتهن ودوراتهن والتوصية على التركيز على الحدس الذاتي وتجنب التأثر بتوصيات العقل ونقده ويظهر أن الناقد العاقل المنصف  لو أعمل عقله في ما يقدم في هذا الطرح لم يقبله لذا كان ذم العقل في هذا الطرح الباطني من أهم القواعد التي يتخذها المدربون  والمدربات في هذا المجال وفيها مخالفة صريحة لخطاب القرآن الداعي إلى إعمال العقل والتفكر وهي النعمة التي تميز بها الإنسان عن باقي المخلوقات، ومما يبرز في طرحهن غياب أثر الإيمان باليوم الآخر ويكثر التركيز على التفكير في اللحظة الآنية (الآن) وفق فلسفة الوعي الكوني الخطيرة عقدياً.

وهذا ما يفسر بعدهم عن ذكر الآخرة في طرحهن فعند معالجتهن للمشكلات يغيب ذكر احتساب الأجر والإحسان في البذل وتغيب كذلك التوصية بالحلول الشرعية الواردة في الكتاب والسنة ويبرز البعد عن الهدي النبوي في معالجة المشكلات والاستدلال الخاطئ بالنصوص الشرعية وذمهم لعبادة الخوف من الله والصبر والاحتساب.

وقد يتبادر سؤال في ذهن القارئ كيف تمكنت مدربة الأنوثة من التأثير في عوام الناس رغم خطورة هذا الطرح؟

  والذي يظهر أنه للأسباب التالية:

  • جهل الناس بحقيقة الطاقة الكونية واعتقادهم أنها نوع من التنمية البشرية لا علم زائف من مخلفات الشرق يحذر منه الأطباء والنفسيون والمختصون والشرعيون و”الجهات الرسمية في البلد”.
  • خلط مدربة الأنوثة القوانين الفلسفية بالقضايا الاجتماعية والنفسية والأسرية ومزجها في قالب أنثوي في الطرح القريب للنساء.
  • وجود مشكلات تعاني منها النساء وجهلهن بطرق العلاج الصحيحة والعلمية والشرعية.
  • امتلاك المدربة لأساليب الإقناع وإدارة الوهم بالإيحاء من خلال طرق مشكلات تعانيها المرأة والزعم بامتلاك العصا السحرية في حلها من خلال تطبيق القوانين الروحانية الزائفة.

ومن خلال ما تقدم يتضح لنا الخطورة المبطنة في هذا الطرح الأنثوي لذا يتوجب علينا جميعاً التحذير من مثل هذا الطرح الباطني المستهدف لعقيدة التوحيد وتوضيح حقيقته للمسلمين والدعوة إلى حماية جانب التوحيد من مثل هذا الطرح الأنثوي المعاصر وتعرية كل تلك المعلومات العامة التي تغلف بها تلك القوانين الروحانية التي تقدم في كل دورات الأنوثة وتوهم النساء بأنها تنمية بشرية لا فلسفة باطنية قائمة على الإيمان بالطاقة الكونية. 

وتشجيع النساء وعامة المسلمين على التحصن بالعلوم الشرعية والنافعة والصحيحة وتعلم التفكير الناقد لمواجهة الأفكار الباطلة المنحرفة فأهل الباطل في جد واجتهاد في تسويق وصناعة وتقديم ما يكسبهم مادياً وهذه التجارة الخاسرة في بيع الآخرة بعرض من الدنيا.

نسأل الله أن يهدي ضال المسلمين وأن يعصمنا والقارئ من الفتن والشرور ما ظهر منها وما بطن.

۱٤٤۲هـ


*هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا يمثل – بالضرورة – رأي الناشر.

المقالات الأخيرة