خرافات منتشرة

كيف يمكن لليوغا أن تدمر جسمك؟

فريق البيضاء للترجمة

في يوم سبت بارد في أوائل عام ۲۰۰۹م، كان (غلين بلاك (Glenn Black، وهو معلم يوغا لمدة تناهز أربعة عقود، وزبائنه المخلصين وفيهم عدد من المشاهير والمعلمين البارزين، يقدم دروسًا متقدمة في استوديو في مانهاتن، ويعتبر (بلاك) من نواحٍ عديدة: (يوغي كلاسيكي)، فقد درس في الهند في المعهد الذي أسسه الأسطوري الهندي (بيلور كريشناماشار سونداراراجا إينغار B. K. S. Iyengar) مؤسس مدرسة إينغار المعروفة (لليوغا)، وقضى سنوات في العزلة والتأمل.

يعيش (بلاك) حاليًا في نيويورك، وغالبًا ما يدرّس في معهد (Omega) القريب منه، وهو مركز تجاري لحركة “العصر الجديد” تصل مساحته لما يُقارب ۲۰۰ فدان من الغابات والحدائق، وهو معروف بدقته وأسلوبه المتقن، ولكن هذا لم يكن السبب وراء قصدي للذهاب إليه، بل لأنه قيل لي: “إن (بلاك) هو الشخص الذي يجب أن تتحدث معه إذا كنت تريد معرفة الضرر الذي يمكن أن تسبّبه ممارسة اليوغا، لا معرفة فضائل ممارستها فقط”.

إن العديد من عملائه الدائمين يأتون إليه لإعادة التأهيل بعد إصابات اليوغا، وكان هذا هو ما حصل لي، ففي الثلاثينيات من عمري أصبت بتمزق في أسفل ظهري، وعندها وجدت أنني أستطيع منع نوبات الألم عند ممارسة وضعيات معينة من رياضة اليوغا وتمارين البطن.

ولكن في عام ۲۰۰۷، وأثناء قيامي بوضعية الزاوية الجانبية الممتدة، التي تعتبر علاجًا للعديد من الأمراض، انهار ظهري، ومع انهياره انهار إيماني بأن اليوغا مصدرًا آمنًا للشفاء.

في استوديو (Sankalpah Yoga)، كانت الغرفة مكتظة؛ قيل إن نصف الطلاب تقريبًا كانوا من معلمي اليوغا، وكان (بلاك) يتجول في الغرفة عندما قام بالسؤال مازحًا: “هل هذه يوغا؟” في حين كنا نتعرق جراء وضع يبدو أنه يتطلب قدرة فائقة على التحمل، وكان منهجه شبه حر، إذ أنه يجعلنا نكتفي بوضعيات لفترة طويلة ولم يعلِّمنا أي وضعيات انقلاب أو أي من وضعيات “اليوغا” الكلاسيكية، وحثنا طوال الفصل على الانتباه إلى بدايات الألم، وقال للمجموعة: “أنا أعطيكم أصعب التمارين، وأنتم افعلوا ما يتيسر منها” وأوضح وجهة نظره بقصة تحذيرية في الهند، أشار فيها بأن أحد اليوغيين قدم للدراسة في مدرسة إينغار المذكورة مسبقًا، وتسبب لنفسه بالتفاف في العمود الفقري، وقال (بلاك) أنه شاهد ثلاثة من ضلوع الرجل تتكسر!

بعد انتهاء الدرس، سألتُ (بلاك) عن نهجه في تدريس اليوغا -خصوصا في حثه على الاحتفاظ ببعض الوضعيات البسيطة فقط، وتجنب وضعيات الانقلاب الشائعة مثل الوقوف على الرأس والوقوف على الأكتاف- لقد أعطاني الإجابة التي توقعتها من أي معلم يوغا: “وهي أن الوعي أكثر أهمية من التسرع في ممارسة سلسلة من الوضعيات لمجرد القول أنك قمت بها”، ولكن بعد ذلك قال شيئًا أكثر تطرفاً، فذكر أنه يعتقد أن الغالبية العظمى من الناس يجب أن تتخلى عن اليوغا تمامًا، لأنه من المحتمل جدًا أن تسبب لهم أضرارًا.

وقال أيضًا: “ليس هذا في حال الطلاب فحسب، بل المعلمون المشهورون أيضًا جميعهم يؤذون أنفسهم لأن معظمهم يعانون من نقاط ضعف جسدية، أو مشاكل تجعل الإصابة الخطيرة أمرًا لا مفر منه، فبدلاً من ممارسة اليوغا، يحتاجون إلى القيام بمجموعة محددة لتقوية الأجزاء الضعيفة من الجسم، إن اليوغا مخصصة للأشخاص الذين يتمتعون بحالة بدنية جيدة، أو يمكن استخدامه كعلاج، ومن المثير للجدل قول ذلك، لكن لا ينبغي حقًا استخدامه للفئة العامة”.

ويبدو أن (بلاك) يوفّق بين مخاطر اليوغا وتعاليمه الخاصة بها من خلال العمل الجاد لمعرفة متى يجب على الطالب عدم القيام بشيء ما مثل: الوقوف على الأكتاف أو الوقوف على الرأس أو وضع أي وزن على فقرات عنق الرحم، وعلى الرغم من أنه درس مع (شموئيل تاتز Shmuel Tatz) -المعالج الطبيعي الأسطوري في مانهاتن- الذي ابتكر طريقة للتدليك للممثلين والراقصين، إلا أنه يعترف بأنه ليس لديه تدريب رسمي لتحديد الوضعيات الجيدة للطالب، وقد تكون هذه مشكلة لديه، كما يقول: “إن الخبرة الكبيرة والكافية في هذا المجال أن تأتي إلى نيويورك وتحضر صفًا دراسيًا مع الأشخاص الذين لديهم العديد من المشاكل والموافقة على فعل هذا التسلسل من الوضعيات، وهذا الأمر لا يجدي نفعًا”.

وبناءً على رأي (بلاك) تضافرت عدة عوامل لزيادة خطر ممارسة اليوغا، وإن العامل الأكبر هو التحول الديموغرافي في أولئك الذين يدرسونها، فعادةً ما كان ممارسو اليوغا الهنود الذين يجلسون بوضعية القرفصاء أو يضعون أرجلهم فوق بعضها عند الجلوس في الحياة اليومية، وتفرعت وضعيات اليوغا عن هذه العادات، أما حاليًا فيذهب سكان المدن الذين يجلسون على الكراسي طوال اليوم إلى تدريبات اليوغا عدة مرات في الأسبوع، ويجهدون أنفسهم في ممارسة وضعيات أكثر صعوبة على الرغم من افتقارهم إلى المرونة والمشاكل الجسدية الأخرى، ويتجه الكثيرون إلى اليوغا باعتبارها بديلاً لطيفًا للتمارين القوية أو لإعادة التأهيل بعد الإصابات.

وقد ارتفع عدد الأمريكيين الذين يمارسون اليوغا من حوالي ٤ ملايين في عام ۲۰۰۱ إلى ما يقدره البعض بما يصل إلى ۲۰ مليونًا في عام ۲۰۱۱ والسبب لذلك يعود إلى الشعبية الواسعة التي تحظى بها اليوغا، فالآن هناك وفرة في النوادي المتخصصة في اليوغا، ولكن يفتقر العديد من معلميها إلى التدريب المكثف اللازم لمعرفة الوقت الذي يمكن أن يسبب الإصابة للطلاب.

وقال (بلاك): “إن العديد من مدارس اليوغا اليوم تقوم على إجبار الناس فقط، لا يمكنك تصديق ما يحدث، يضغط المعلمون على الناس من باب أنه يجب أن تكون قادرًا على القيام بذلك الآن، فالأمر يتعلق بإرضائهم لغرورهم فقط”.
وعندما يأتي إلى (بلاك) معلمو اليوغا للقيام بأعمال بدنية بعد تعرضهم لإصابات بالغة، فإنه يقول لهم: “لا تمارسوا اليوغا، فينظرون إلي وكأنني مجنون” وأكمل قوله: “وأنا أعلم أنهم إذا استمروا، فلن يكونوا قادرين على تحملها”.
وسألته عن أسوأ الإصابات التي رآها، فتحدث عن معلمين يوغا مشهورين يقومون بوضعيات أساسية مثل: الكلب المتجه للأسفل -حيث يشكل الجسم حرف V مقلوبًا-، لدرجة أنهم مزقوا أوتار العرقوب! وقال: “ذلك بسبب كبريائهم؛ رغم أن الهدف الأساسي من اليوغا هو التخلص من الأنا”.

وأخبرني كذلك بأن واحدة من أكبر المعلمات في أمريكا فقدت القدرة على تحريك مفاصل وركها، وأضاف إلى ذلك بأنه رأى وركيها بشكل مروع جدًا، فقد أصبحت متدهورة لدرجة أنها اضطرت إلى استبدال مفصل الورك.

ويصرّ المتعصبون من معلمي اليوغا على وصف اليوغا بأنها عامل خارق للتجديد والشفاء تقريبًا، ويبالغون في قدراتها على التهدئة والعلاج والتنشيط والتقوية، ولكن مجتمع اليوغا ظل صامتًا لفترة طويلة بشأن إمكانية إحداث إصابات شديدة، فلم يشر المعلم الذي ساعد في إحياء اليوغا للعصر الحديث إلى الإصابات في مجلته المتخصصة في اليوغا ولا في كتابه الذي نشره عنها في عام ۱۹۳۱، و تجنبت ذكر هذه المشكلة مؤلفة كتاب: (Forever Young ، Forever Healthy) الأفضل مبيعًا لعام ۱۹٥۳، وكذلك فعل مؤلف كتاب (Light on Yoga) الذي نُشر عام ۱۹٦٥، والذي يظهر أيضًا أن هناك تطمين حول سلامة اليوغا بشكل منتظم في الكتب الإرشادية لمثل هؤلاء اليوغيين، فمثلاً أعلن (سوامي جيتاناندا Swami Sivananda) -المعلم الذي أجرى ۱۰ جولات حول العالم وأسس الأشرم في عدة قارات -بأن: “اليوغا الحقيقية آمنة مثل حليب الأم”.

ولكن هناك مجموعة متزايدة من الأدلة الطبية تدعم حجة (بلاك) القائلة بأن عددًا من وضعيات اليوغا التي يتم تدريسها بشكل شائع محفوفة بالمخاطر بالنسبة للكثير من الناس، فقد ظهرت التقارير الأولى عن إصابات اليوغا منذ عقود، ونشرت في أكثر المجلات المحكمة في العالم، وتراوحت الإصابات من إصابات خفيفة نسبيًا إلى إعاقات دائمة، في بعض الحالات.

وعلى سبيل المثال: قرر طالب جامعي بعد ممارسته “لليوغا” لأكثر من عام أن يرفع مستوى ممارساته، فكان يجلس منتصبًا على كعبيه في وضع (vajrasana) لساعات في اليوم، وهو يهتف من أجل السلام العالمي ولكن سرعان ما عانى من صعوبة في المشي والجري وصعود السلالم، وعندما تتبع الأطباء المشكلة وجدوا أنها وصلت إلى عصب غير مستجيب في فرع طرفي من الورك والذي يمتد من أسفل العمود الفقري عبر الأرداف إلى أسفل الساقين؛ وسبب ذلك أن الجلوس في وضعية (vajrasana) لمدة طويلة تسبب في منع الاكسجين من الوصول إلى فرع العصب الذي يمر تحت الركبة، مما أدى إلى موت العصب وبمجرد أن يتوقف الطالب عن ممارسة هذه الوضعية، سيتحسن بسرعة، وقد سجل الأطباء عددًا من الحالات المماثلة، حتى أن الحالة حصلت على اسم خاص بها وهو: “انخفاض قدم اليوغا”.

وتلا ذلك المزيد من التقارير المقلقة، ففي عام ۱۹۷۲، نشر العالم (ويليام ريتشي راسل W. Ritchie Russell) -المتخصص بالفسيولوجيا العصبية البارز في جامعة أكسفورد- مقالًا في المجلة الطبية البريطانية، قال فيه أن بعض وضعيات اليوغا -على الرغم من ندرتها- تهدد بالتسبب في السكتات الدماغية حتى لدى الأشخاص الأصحاء وصغار السن، ووجد أن إصابات الدماغ لم تنشأ فقط من الصدمة المباشرة في الرأس ولكن أيضًا من الحركات السريعة أو الامتدادات المفرطة للرقبة، مثل التي تكون في بعض وضعيات اليوغا، وعادةً يمكن أن تمتد الرقبة للخلف ۷٥ درجة، وللأمام ٤۰ درجة وعلى الجانب ٤٥ درجة، ويمكن أن تدور حول محورها حوالي ٥۰ درجة، ولكن ما يقوم به غالب ممارسي اليوغا هو تحريك فقرات الرقبة إلى مسافة أبعد، فيمكن للطالب المتوسط ​​أن يدير رقبته بسهولة ۹۰ درجة، أي ما يقارب ضعف الدوران العادي.

وقد تم تشجيع وضعية فرط ثني الرقبة من قبل الممارسين ذوي الخبرة، فقد أكد أحدهم أنه في وضعية الكوبرا يجب أن يتقوّس الرأس إلى أقصى حد ممكن، وأصرّ على أنه عند وضعية الوقوف على الأكتاف يجب أن يتم وضع الذقن ملاصقًا للصدر حيث يشكل الجذع والرأس زاوية قائمة، ويجب على الجسم أن يكون في خط مستقيم واحد عموديًا على الأرض، ووصف هذا الوضع الذي يقال إنه يحفز الغدة الدرقية بأنه واحد من أعظم النعم التي منحها حكماؤنا القدامى للإنسانية.

وقد حذر راسل من الحركات المبالغ فيها في الرأس والرقبة؛ إذ يمكن أن تؤذي الشرايين الفقرية، وتنتج جلطات وتورم وانقباض، وتلحق في النهاية ضررًا في الدماغ، والشريان القاعدي الذي ينشأ من اتحاد الشرايين الفقرية ويشكل قناة واسعة في قاعدة الدماغ له أهمية خاصة لأنه يغذي الجسر الذي يلعب دورًا في التنفس، والمخيخ الذي ينسق العضلات، والفص القذالي للدماغ الخارجي الذي يحول نبضات العين إلى صور، والمهاد الذي ينقل الرسائل الحسية إلى الدماغ الخارجي، ومن المعروف أن انخفاض تدفق الدم إلى الشريان القاعدي ينتج عنه مجموعة متنوعة من السكتات الدماغية وقد تؤثر في حالات نادرة على اللغة والتفكير الواعي والتي يقال إنها تقع في القشرة الأمامية، ولكنها قد تلحق أضرارًا بالغة بآلية الجسم الأساسية وقد تكون قاتلة في بعض الأحيان، وغالبية المرضى الذين يعانون من مثل هذه السكتة الدماغية تتعافى لديهم معظم الوظائف، ولكن في بعض الحالات يستمر الصداع وعدم التوازن والشعور بالدوار وصعوبة القيام بحركات طبيعية لسنوات.

وقد كان راسل قلقًا أيضًا من أنه عندما يصاب ممارسو اليوغا بسكتات دماغية فقد يفشل الأطباء في تتبع سببها، وكتب أن الضرر الدماغي قد يتأخر، وربما يظهر في الليلة التالية، وهذا التأخير لبضع ساعات يصرف الانتباه عن العامل السابق المسبب لها.

وفي عام 1973م، بعد عام من نشر بحث راسل السابق، نشر (ويليبالد ناجلر Willibald Nagler )-خبير مشهور في إعادة تأهيل العمود الفقري في كلية الطب بجامعة كورنيل- بحثًا عن حالة غريبة عانت منها امرأة كانت بصحة جيدة تبلغ من العمر 28 عامًا، حيث أصيبت بسكتة دماغية أثناء قيامها بوضعية يوغا تُعرف باسم (العجلة أو القوس العلوي) حيث يستلقي الممارس على ظهره، ثم يرفع جسده إلى قوس نصف دائري، متوازنًا على اليدين والقدمين، وغالبًا ما تتضمن المرحلة المتوسطة رفع الجذع وإراحة تاج الرأس على الأرض، وبينما كانت متوازنة على رأسها، انحنت رقبتها بعيدًا إلى الخلف، فشعرت المرأة فجأة بصداع شديد نابض وكانت تواجه صعوبة في النهوض، وعندما تمت مساعدتها على الوقوف، لم تكن أيضاً قادرة على المشي دون مساعدة، وبعدها نُقلت المرأة إلى المستشفى ولم يكن لديها أي إحساس في الجانب الأيمن من جسدها؛ كما أنه لم تستجب ذراعها اليسرى ولا ساقها لأوامرها وظلت عيناها تنظران بشكل لا إرادي إلى اليسار وكانت عينها اليسرى تعاني من بؤبؤ منكمش وجفن علوي متدلي وجفن سفلي مرتفع، وهذا يُعرف طبيًا بمتلازمة هورنر، وأفاد ناجلر أيضًا أن المرأة كانت تميل نحو السقوط إلى اليسار.

وقد وجد أطباؤها أن الشريان الفقري الأيسر، والذي يمتد بين أول فقرتين من عنق الرحم قد ضاق بشكل كبير، وأن الشرايين التي تغذي المخيخ قد تعرضت لميلان شديد، ونظرًا لنقص تقنيات التصوير المتقدمة في ذلك الوقت، تم إجراء عملية استكشافية للحصول على تشخيص أوضح لحالتها ووجد الجراحون الذين قاموا بفتح جمجمتها أن الجزء المخي الأيسر من المخيخ قد عانى توقفًا كبيرًا في إمدادات الدم؛ مما أدى إلى موت الكثير من الأنسجة وحدوث نزيف ثانوي.

فبدأت المريضة برنامج إعادة تأهيل مكثف، وبعد ذلك بعامين، أصبحت قادرة على المشي، وحسبما أفاد ناجلر بأنها كانت تمارس المشي بخطوات عريضة، ولكنها واجهت صعوبة في تحريك ذراعها اليسرى واستمرت معاناتها من متلازمة هورنر في عينها اليسرى، فاستنتج ناجلر أن مثل هذه الإصابات تبدو نادرة ولكنها كانت بمثابة تحذير بشأن مخاطر التمدد المفرط القوي للرقبة، وحث على توخي الحذر عند التمرين على مثل هذه الوضعيات، خاصة للأفراد في منتصف العمر.

ولم تكن تجربة هذه المريضة حادثة منفردة، فبعد بضع سنوات تم نقل رجل يبلغ من العمر ۲٥ عامًا إلى مستشفى في شيكاغو، حيث كان يشتكي من عدم وضوح الرؤية وصعوبة البلع والتحكم في الجانب الأيسر من جسده، واهتم (ستيفن إتش هانوسSteven H. Hanus) -طالب طب آنذاك- بالقضية وعمل مع رئيس قسم طب الأعصاب لتحديد السبب وقد نشر النتائج لاحقًا مع العديد من الزملاء والتي جاء فيها أن المريض كان بصحة جيدة، ويمارس اليوغا كل صباح لمدة عام ونصف، وتضمن روتينه وضعية: (لف العمود الفقري أثناء الاستلقاء) بحيث يدير رأسه بعيدًا إلى اليسار وبعيدًا إلى اليمين، ثم يقوم بالوقوف على الكتف مع ثني رقبته إلى أقصى حد على الأرض، ويبقى في الوضع المعكوس لمدة خمس دقائق، فظهرت سلسلة من الكدمات أسفل عنق الرجل، والتي كما كتب عنها الفريق أنها نتجت عن ممارسته اليوغا على أرضية صلبة، وكانت هذه علامة على إصابة الرقبة، وكشفت الاختبارات التشخيصية عن وجود انسداد في الشريان الفقري الأيسر بين الفقرات، وأصيبت الأوعية الدموية هناك بانسداد كلي أو شبه كامل، وهذا يعني بأنه لا يمكن للدم أن يصل إلى الدماغ.

وبعد شهرين من إصابته، ومع تكرار العلاج الطبيعي، تمكّن الرجل من المشي بعصا، وأفاد الفريق أنه لايزال يواجه صعوبة في أداء الحركات الطبيعية بيده اليسرى، وخلص هانوس وزملاؤه إلى أن حالة الشاب تمثل نوعًا جديدًا من الخطر، وحذروا من أن الأصحاء يمكن أن يلحقهم ضررٌ خطيرٌ بالشرايين الفقرية من خلال حركات الرقبة التي تتجاوز التحمل الفسيولوجي، وشددوا على أن اليوغا يجب اعتبارها حدثًا مُسرّعًا محتملاً، وفي تقريرهم لم يستشهد فريق نورث وسترن برواية ناجلر لمريضته فحسب، بل استشهد أيضًا بتحذير راسل المبكر و بدأ القلق بشأن سلامة اليوغا ينتشر في المؤسسات الطبية.

قد تبدو هذه الحالات نادرة للغاية، لكن الدراسات الاستقصائية التي أجرتها لجنة سلامة المنتجات الاستهلاكية أظهرت أن عدد حالات الدخول إلى غرف الطوارئ المتعلقة باليوغا، كانت في ازدياد سريع، فقد انتقل من ۱۳ حالة في عام ۲۰۰۰ إلى ۲۰ حالة في عام ۲۰۰۱، ثم تضاعف إلى أكثر من الضعف، أي إلى ٤٦ حالة في عام ۲۰۰۲، وتعتمد هذه الاستطلاعات على أخذ العينات بدلاً من التقارير الشاملة -أي تكشف عن الاتجاهات بدلاً من الإجماليات – ولكن الارتفاع كان مع ذلك مهمًا من الناحية الإحصائية؛ لأن جزءًا ضئيلًا من المصابين يزورون غرف الطوارئ بالمستشفى، ولكن هناك العديد من الأشخاص الذين يعانون من إصابات اليوغا الأقل خطورة يتجهون إلى أطباء الأسرة وخبراء تقويم العمود الفقري وغيرها.

وفي هذا الوقت تقريبًا، بدأت قصص الإصابات الناجمة عن اليوغا بالظهور في وسائل الإعلام، فقد ذكرت صحيفة التايمز أن المتخصصين في مجال الصحة وجدوا أن نوعًا من أنواع اليوغا الساخنة (بيكرام يوغا Bikram yoga) -على سبيل المثال- يمكن أن تزيد من خطر التمدد المفرط وتلف العضلات وتمزق الغضروف، ولاحظ أحد الأخصائيين أن الأربطة -العصابات القوية من الألياف التي تربط العظام أو الغضاريف في المفصل- فشلت في استعادة شكلها بمجرد تمددها؛ مما زاد من مخاطر الإجهاد والالتواء والخلع.

وفي عام ۲۰۰۹م، نشر فريق من مدينة نيويورك مقره في كلية الأطباء والجراحين بجامعة كولومبيا دراسة استقصائية عالمية لمعلمي اليوجا والمعالجين والأطباء للإجابة على السؤال المركزي للمسح وهو: ما هي أخطر الإصابات المتعلقة باليوغا (الإعاقة /أو طويلة الأمد التي رأوها؟

وكشفت الدراسة أن أكبر عدد من الإصابات (۲۳۱) تركزت في أسفل الظهر، أما الأماكن الرئيسية الأخرى فكانت بترتيب تنازلي من حيث الانتشار: الكتف (۲۱۹) والركبة (۱۷٤) والرقبة (۱۱۰) ثم جاءت السكتة الدماغية، ولاحظ المجيبون أربع حالات أدى فيها الانحناء الشديد والتواءات اليوغا إلى درجة معينة من تلف الدماغ، ولم تكن الأرقام مسببة للقلق، لكن الاعتراف بالمخاطر بعد أربعة عقود تقريبًا من إصدار راسل لتحذيره أشار إلى تحول في تصور المخاطر التي تسببها اليوغا.

وفي مقال عام ۲۰۰۳ في مجلة (اليوغا) كشفت معلمة يوغا ومعالجة تعمل في مركز الطب التكاملي في جامعة ديوك في نورث كارولينا عن معاناتها الخاصة، فتحدثت عن تصويرها ذات يوم لبرنامج في التلفزيون الوطني و أنه تم حثها على القيام بالمزيد من وضعيات اليوغا، حيث رفعت قدمًا واحدة، وأمسكت إصبع قدمها الكبير ومدت ساقها إلى وضع اليد الممتدة إلى إصبع القدم الكبير، وعندما استقامت ساقها شعرت بفرقعة مقززة في أوتار الركب، وفي اليوم التالي بالكاد استطاعت المشي، وتذكر أنها احتاجت إلى العلاج الطبيعي لمدة سنة قبل أن تتمكن من مد ساقها بالكامل مرة أخرى، وكتبت محررة مجلة (Yoga Journal): “قد جربت كيف يمكن لليوغا أن تفيد، ولكنني أيضًا جربت كيف يمكن أن تؤذي اليوغا، وسمعت الشيء نفسه من الكثير من اليوغيين الآخرين”.

كان (روجر كول) أحد مدربي اليوغا قد كتب بشكل مفصل لمجلة اليوغا، وتحدث عن سلامة اليوغا للكلية الأمريكية للطب الرياضي، وناقش فكرة تقليل ممارسة ثني الرقبة في وضعية الوقوف على الكتف، لكن التعديلات ليست الحل دائمًا، فقد وصف (تيموثي ماكول Timothy McCall) -الطبيب والمحرر الطبي لمجلة Yoga Journal- وضعية الوقوف على الرأس بأنها خطيرة للغاية بالنسبة لصفوف اليوغا العامة، واستند تحذيره جزئيًا إلى تجربته الخاصة، حيث وجد أن الوقوف على الرأس أدى إلى متلازمة مخرج الصدر، وهي حالة تنشأ عن ضغط الأعصاب التي تمر من الرقبة إلى الذراعين، مما يتسبب في وخز في يده اليمنى وكذلك تنميل متقطع وعندما توقف عن القيام بالوضعية اختفت الأعراض، وفي وقت لاحق أشار إلى أن الانقلاب يمكن أن يؤدي إلى إصابات أخرى، بما في ذلك التهاب المفاصل التنكسي للعمود الفقري العنقي وتمزق الشبكية؛ نتيجة لزيادة ضغط العين الناجم عن الوضع، وخلُص ماكول إلى أنه-مع الأسف- يمكن أن تكون الآثار السلبية للوقوف على الرأس خطيرة.
وبعد عام تقريبًا من لقائي للمرة الأولى مع (غلين بلاك Glenn Black) في فصله المتقدم في مانهاتن، تلقيت بريدًا إلكترونيًا منه يخبرني أنه خضع لعملية جراحية في العمود الفقري وكتب فيه:” لقد كانت العملية ناجحة ولكن التعافي بطيء ومؤلم، اتصل إن أردت”.

وقال: “إن الإصابة تعود إلى أربعة عقود من الانحناءات والالتواءات الشديدة”؛ إذ أصيب بتضيق في العمود الفقري، وهي حالة خطيرة تبدأ فيها الفتحات بين الفقرات بالانقباض؛ مما يؤدي إلى ضغط الأعصاب الشوكية والتسبب في ألم مبرح، وقال أنه شعر أن إمكانية كسر الأضلاع بدأت قبل ۲۰ عامًا من وضعيات مثل الوقوف على الأكتاف، وأصبح الألم شديدًا بعد مضي عامين، وقال له أحد الجراحين أنه لن يتمكن في النهاية من المشي بدون علاج، وخضع إلى جراحة استغرقت خمس ساعات، ودمجت عدة فقرات قطنية، وفي النهاية سيكون بخير ولكنه يجب أن يخضع لأوامر الجراح لتقليل الضغط على أسفل ظهره ولن تعود حركته كما كانت بالسابق.

وأخيرًا فإن (بلاك) هو أحد ممارسي اليوغا الأكثر حرصًا من بين الذين أعرفهم، وعندما تحدثت إليه لأول مرة، قال إنه لم يُصب مطلقًا أثناء ممارسة اليوغا، وعلى حد علمه لم يكن مسؤولاً عن أي إصابة تلحق بطلابه، وسألته: هل إصابته الأخيرة خلقية أو مرتبطة بالشيخوخة؟ فقال: “لا، كانت بسبب اليوغا”.

ونقل (بلاك) هذه الرسالة مؤخرًا إلى مؤتمر في معهد (omega)، بعد أن تأكدت مشاعره حول هذا الموضوع من خلال عمليته الأخيرة، ولكن يبدو أن تحذيراته لم تلق آذاناً صاغية، يقول: “لقد كنت متعاطفًا أكثر من المعتاد، وكانت رسالتي (أن اليوغا ليست دواءً سحريًا أو علاجًا للجميع، بل إذا كنت تفعل ذلك بدافع الأنا أو الهوس، فسوف ينتهي بك الأمر إلى التسبب في المشاكل) وغالب الناس لا يحبون سماع ذلك”.

انتهى المقال بتصرف.


الكاتب: ويليام بورد William Broad: مؤلف أمريكي مختص بالمواضيع العلمية.

المقال المترجم يتضمن معلومات يمكن الاستفادة منها، ولا يلزم من نقله موافقة الكاتب في منطلقاته أو إقرار معتقده وتوجهاته.

المقالات الأخيرة