مقالات البيضاء

عبادة التفكر وطقوس التأمل

د. عائشة الشمسان

التفكر عبادة عظيمة الشأن وردت الإشارة إليها بلفظ (تفكروا) في سبعة عشر موضعاً من القرآن الكريم، كما وردت الإشارة إلى معناها بـ(انظروا) في عشر مواضع من القرآن الكريم، والتفكر كما دلت عليه آيات القرآن الكريم هو: إعمال الإنسان لفكره، حتى يصل إلى نتيجة. 

وقد أمر الله به وحث عليه لما يتوصل به من الإيمان واليقين، وهو من أهم أوصاف المؤمنين أولي الألباب، حيث يشمل تفكرهم أحوال الدنيا والآخرة، قال تعالى: {كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون، في الدنيا والآخرة} [البقرة: ۲۱۹، ۲۲۰] يتفكرون في الآيات التي بينها لهم، فيستدلون بها على توحيده، وصفات كماله، وصدق رسله، والعلم بلقائه، ويتفكرون في الدنيا وانقضائها، واضمحلالها وآفاتها، والآخرة ودوامها وبقائها وشرفها

وكما يكون التفكر في عظيم صنع الله فهو أيضاً يكون في التفاصيل الدقيقة لمعيشة الإنسان كما قال تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} [الروم: ۲۱] مما يزيد المؤمن يقينا بجلال الصانع سبحانه وجمال الصنع وإتقانه.

 ويدلنا استقراء آيات القرآن الكريم على أن التفكر يكون فيما يلي:

  • آيات الله الكونية: ومنه قوله تعالى: {إنّ في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب، الذين يذكرون الله قياماً وقعودا ًوعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار} [آل عمران:۱۹۱]. دلت الآية السابقة على أن التفكر عبادة، ثم دلت على أنه من صفات أولي الألباب وهم الذاكرون لله في كل أحوالهم، ثم دلت الآية على الغاية من التفكر وهي العلم بأن الله سبحانه لم يخلق السماوات والأرض عبثاً ثم تنزيهه سبحانه عن العبث وعن كل مالا يليق به وسؤاله الوقاية من عذابه…
  • كما يكون التفكر في آيات الله الشرعية؛ ومنه قوله تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُزّل إليهم ولعلهم يتفكرون} [النحل: ٤٤] ومنه التفكر في قصص وأمثال القرآن الكريم.
  • كما يكون التفكر فيما يقوم به المسلم من عبادات؛ ومنه قوله تعالى: { إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا} [سبأ: من الآية ٤٦] قال ابن عثيمين -رحمه الله-: “وفي هذه الآية إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان إذا قام لله يعمل، أن يتفكر ماذا فعل في هذا العمل: هل قام به على الوجه المطلوب، وهل قصر، وهل زاد وماذا حصل له من هذا العمل من طهارة القلب، وزكاة النفس، وغير ذلك، ولا يكن كالذي يؤدي أعماله الصالحة وكأنها عادات يفعلها كل يوم، بل تفكر، ماذا حصل لك من هذا العبادة، وماذا أثرت على قلبك وعلى استقامتك”.

وبهذا يُعْلَم بأن لعبادة التفكر غايات أهمها:

  • الدلالة على وجود الخالق المدبر سبحانه.
  • تنزيهه سبحانه عن العبث وإدراك ألوهيته وأنه الواحد المستحق للعبادة.
  • تعظيم الله سبحانه وتوقيره حين ينظر المتفكر في ملكوت الله سبحانه وعظيم صنعه وتدبيره.
  • زيادة الإيمان الذي به تسير عجلة الطاعات وتفتر المعاصي، ويقترب به العبد من ربه متذللاً خاضعا يرجوه العفو والنجاة، {ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار}. 

وعليه فإن من عرف حقيقة عبادة التفكر وأدرك غايتها عَلِمَ يقينا بأن ما يروج له اليوم من أساليب وطقوس للتأمل ليست منه؛ بل هي دخيلة على مجتمعنا المسلم، لا تشترك مع التفكر لا في صفة ولا غاية، بل تنافي غاية التفكر كما تنافي ما يجب على المسلم اعتقاده في علاقته مع الله عز وجل، ويكفي لمعرفة ذلك تصور غاية طقوس التأمل التي يروج لها اليوم والتي يمكن تناولها من زاويتين:

  • الغايات المعلنة: كالاسترخاء، والسكينة، واكتساب قوة معالجة الآخرين، والعلاج والاستشفاء؛ وكسب الأموال وغير ذلك.

ويقدم التأمل بأسماء متعددة ومتجددة منها (التأمل التجاوزي، اليوغا، تأمل الاتحاد بالذات العليا، تأمل القمر، تأمل النجوم، تأمل حب الذات، تأمل جذب الثراء، تأمل جذب شريك الحياة…)

  • الغايات الحقيقية ؛ وهي مقاصد فاسدة يعوَّل عليها وتقام لأجلها تلك الطقوس، ومنها: 
  1. الوصول إلى الوعي الكامل (الاستبصار)
  2. الانسجام والاندماج مع الكون.
  3. استقبال الطاقة الكونية أو الإلهية.
  4. الاتحاد مع الذات العليا.

ومن الأمثلة التي تكشف عن تلك المقاصد والغايات الفاسدة لطقوس التأمل: التركيز أثناء ممارسة تلك الطقوس على أعلى الجبين، وهو موقع له قدسيته في فلسفتهم، إذ يزعمون بعد ذلك نزول الطاقة الإلهية على هذا المتأمل على شكل عمود من النور، ليصبح المتأمل بعد ذلك ممراً للقوة الإلهية التي يمكن -بزعمهم- أن يستخدمها في العلاج وغيره من دعاوى الأفعال الخارقة، ويقدم الآخر توجيهه لممارس طقوس التأمل بقوله: “اشعر بالنشوة الإلهية، والاتحاد الإلهي، وشارك بهما كل شخص وكل كائن”. وتقول الأخرى بعد تلاوة عدد من العبارات التي تهدف إلى الانهماك في التخيل: “اختر ما تريد واكتب ما تريد.. ممتاز لقد بدأت بتشكيل واقع جديد بدأ من هذه اللحظة بالتجلي”.

وتختلف درجات الوضوح والصراحة بين ما يمكن إدراك غايته بكل صراحه كالقول: “ينبغي أن يتوجه المتأمل إلى إدراك الاتحاد مع الله” وبين ما يختلط بالتلبيس والتدليس كإخلاء الذهن مع التركيز على اسم من أسماء الله وتكراره أو تكرار آية من آيات الله… أو الاسترخاء مع إخلاء الذهن والتركيز على التنفس مع استحضار رغبة من الرغبات إلى غير ذلك من الأساليب التي تصب في غاية واحدة أدركها المتلقي أم لم يدركها. 

وخشية الإطالة اكتفي بما ذكرت من أمثلة والتي يطول مقام سردها وتتعدد أشكالها وتتنوع أهدافها مع اشتراكها في الغاية….

وعليه فطقوس التأمل ممارسة يقصد منها الاتصال بما يعتقد أنه “المدبّر” سواء سمي الكون، أو المطلق، أو الإله، أو الوعي، وذلك بإصمات الفكر والتركيز على اللحظة. ويستعان على ذلك بترديد بعض العبارات أو الاستماع للموسيقى، أو أصوات لترددات محددة، أو مقاطع صوتية تهدف إلى الانهماك في التخيل. 

وهي في المجمل وسيلة لعقيدة فاسدة يقصد منها الوصول للفناء والوحدة عند الفلسفات الباطنية، وسواء أدرك هذا من يمارسه وينقله من أبناء المسلمين أو مارسه عن جهل وحسن قصد فهو قد يفضي إلى تلك الغايات الفاسدة. 

والاعتقاد بوحدة الوجود من مذاهب الإلحاد، وقد عد جمع من العلماء أن من وقع فيه ممن ادعى الإسلام خارج عن الاثنتين والسبعين فرقة .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:” وتصور مذهب هؤلاء كافٍ في بيان فساده لا يحتاج مع حسن التصور إلى دليل آخر وإنما تقع الشبهة لأن أكثر الناس لا يفهمون حقيقة قولهم وقصدهم؛ لما فيه من الألفاظ المجملة والمشتركة بل وهم أيضا لا يفهمون حقيقة ما يقصدونه ويقولونه ولهذا يتناقضون كثيرا في قولهم؛ وإنما ينتحلون شيئا ويقولونه أو يتبعونه” .

وكلام ابن تيمية رحمه الله ينطبق على بعض ممن يمارسون التأمل، فهم لا يدركون حقيقة فعلهم وقصدهم وما يؤول إليه، ثم هم يزعمون الفائدة والإفادة ويسعون في نشر تلك الطقوس بين المسلمين، ويشنعون على من يستنكر عليهم، وحال من يمارسون طقوس التأمل ليس ببعيد عن حال أسلافهم الذين وصفهم ابن تيمية -رحمه الله- بقوله: “أمروا المريد أن يفرغ قلبه من كل شيء حتى قد يأمروه أن يقعد في مكان مظلم ويغطي رأسه ويقول: الله الله. وهم يعتقدون أنه إذا فرغ قلبه استعد بذلك فينزل على قلبه من المعرفة ما هو المطلوب بل قد يقولون: إنه يحصل له من جنس ما يحصل للأنبياء. ومنهم من يزعم أنه حصل له أكثر مما حصل للأنبياء فإن المتفلسفة كابن سينا وأمثاله يزعمون أن كل ما يحصل في القلوب من العلم للأنبياء وغيرهم فإنما هو من العقل الفعال؛ ولهذا يقولون: النبوة مكتسبة فإذا تفرغ صفا قلبه -عندهم- وفاض على قلبه من جنس ما فاض على الأنبياء. وعندهم أن موسى بن عمران صلى الله عليه وسلم كلم من سماء عقله؛ لم يسمع الكلام من خارج فلهذا يقولون إنه يحصل لهم مثل ما حصل لموسى وأعظم مما حصل لموسى،… وهذا كله لنقص إيمانهم بالرسل، وهذا الذي قالوه باطل…، فلو كانت هذه الطريقة حقا فإنما تكون في حق من لم يأته رسول فأما من أتاه رسول وأمر بسلوك طريق فمن خالفه ضل. وخاتم الرسل صلى الله عليه وسلم قد أمر أمته بعبادات شرعية من صلاة وذكر ودعاء وقراءة لم يأمرهم قط بتفريغ القلب من كل خاطر وانتظار ما ينزل. فهذه الطريقة لو قدر أنها طريق لبعض الأنبياء لكانت منسوخة بشرع محمد صلى الله عليه وسلم فكيف وهي طريقة جاهلية لا توجب الوصول إلى المطلوب” .

بل وزاد المعاصرون على أسلافهم بأن زاحموا بتلك الطقوس العبادات المشروعة وذلك بالنصح بممارسة التأمل آخر الليل، وبعد الاستيقاظ من النوم، وعند الرغبة بحصول رغبة أو دفع كربه، كما زادوا بأن جعلوا من تلك الطقوس وسيلة لحصول وتجلي الرغبات.

 وقد ساعد على انتشار ذلك أمور من أهمها:

  • تقبل الجديد بحجة التطوير دون نظر وتمحيص ونقد. 
  • الجهل بحقيقة الفلسفات والأديان الوضعية وطقوسها، ثم نقلها أو تلقيها دون اعتبار لحقيقتها.
  • الخلط بين ما هو علم حقيقي وما هو زائف.
  • الخلط بين الغيب المصدق الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة وبين غيب الدجل والخرافة.

وإن مما يؤسف له نشر طقوس التأمل تلك في المجتمع المسلم حيث دلت الإحصائيات على رصد عدد من برامج وجلسات التأمل في المملكة العربية السعودية وذلك على النحو التالي:

  • عشر برامج تأمل عن العام ۱٤۳٦هـ.
  • ثلاثة عشر برنامج تأمل عن العام ۱٤۳۷هـ.
  • وخمسة وأربعون برنامج تأمل عن العام ۱٤۳۸هـ.

 هذا غير مالم يتم رصده أو ما كان مندرجا في إطار دورات وبرامج أخرى.

كما أظهرت نتائج استطلاع أجري على عدد من المصطلحات المتعلقة بتطبيقات الفكر الباطني عن اقتناع ما يقارب ۱٥% من مجموع العينة البالغ عددهم ٥,٤٤۹ بالمصطلحات المرتبطة بطقوس التأمل. 

والمؤشرات تدل على أن مثل هذه الطقوس بازدياد مالم يتم تدارك الأمر بالتوعية وضبط تلك الممارسات من قبل الجهات المختصة.

مداخل نشر طقوس التأمل والترويج له في المجتمع الإسلامي:

  • منها: تحنث الرسول صلى الله عليه وسلم في غار حراء؛ إذ ينطلق بعض من يروج لطقوس التأمل من تحنثه صلى الله عليه وسلم في غار حراء ليزعموا بأن للتأمل أصلاً عند المسلمين أو أن النبي صلى الله عليه وسلم مارس التأمل وفي هذا مغالطات، أبرزها:
    • أن تحنثه صلى الله عليه وسلم كان قبل البعثة وما كان قبل البعثة لا يعد تشريعا، فقد ” أجمع المسلمون على أن الذي فرض على عباده الإيمان به والعمل هو ما جاء به بعد النبوة. ولهذا كان عندهم من ترك الجمعة والجماعة وتخلى في الغيران والجبال حيث لا جمعة ولا جماعة وزعم أنه يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم لكونه كان متحنثا في غار حراء قبل النبوة في ترك ما شرع له من العبادات الشرعية التي أمر الله بها رسوله واقتدى بما كان يفعل قبل النبوة كان مخطئا”.
    • أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أكرمه الله بالنبوة لم يكن يفعل ما فعله قبل ذلك من التحنث في غار حراء أو نحو ذلك، وقد أقام بمكة بعد النبوة بضع عشرة سنة، وأتاها بعد الهجرة، ولم يقصد غار حراء، وكذلك أصحابه من بعده لم يكن أحد منهم يأتي غار حراء، ولا يتخلون عن الجمعة والجماعة في الأماكن المنقطعة، ولا عمل أحد منهم خلوة أربعينية كما يفعله بعض المتأخرين، بل كانوا يعبدون الله بالعبادات الشرعية التي شرعها لهم النبي صلى الله عليه وسلم الذي فرض الله عليهم الإيمان به واتباعه؛ مثل الصلوات الخمس وغيرهما من الصلوات ومثل الصيام والاعتكاف في المساجد ومثل أنواع الأذكار والأدعية والقراءة.
    • ومع هذا كله لم يكن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يقصد بتحنثه استنارة مزعومة، أو استشفاء أو استرخاء، بل آلمه حال قومه من تقديس للأوثان ونصب لها أمام الكعبة فآثر اعتزال الشرك وأهله، وإبقاء قلبه خاليا إلا من تعظيم الله عز وجل.
  • ومن مداخل نشر طقوس التأمل والترويج له في المجتمع الإسلامي؛ إقناع البسطاء والسذج بأن التأمل هو مجرد وسيلة للاسترخاء وتحقيق الرغبات، وهذا لا ينطلي إلا على من انخدع بالقوانين الباطنية المزعومة كقوانين (الامتنان والجذب والنية). وأنّى لهم ذلك والله سبحانه خالق الكون ومدبره يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون} [الأعراف: ۱۸۸]. وهذا ارتقاء في التبرؤ من معرفة الغيب ومن التصرف في العالم، وفيه نفي أن يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، يعم سائر أنواع الملك وسائر أنواع النفع والضر، ومن جملة ذلك العموم ما يكون منه في المستقبل وهو من الغيب… إلا ما شاء الله أن يملكنيه بأن يعلمنيه ويقدرني عليه، فإن لم يشأ ذلك لم يطلعني على مواقعه وخلق الموانع من أسباب تحصيل النفع، ومن أسباب اتقاء الضر.

 

وفي ختام هذا المقال يظهر الفرق كبيرا بين عبادة التفكر التي يؤديها المسلم لغاية شريفة عظيمة ألا وهي عبادة الله وإدراك ربوبيته، فتصغر عنده نفسه ويشعر بضعفه أمام قوة الخالق وعظمة الخلق، وبين طقوس التأمل والتي ترتبط بغايات فاسدة، وأساليب مبتدعة، تعظم عند الممارس لها نفسه ويتماهى بقوته وقدراته. ولذلك وجب التحذير منها وبيان حقيقتها. 

ومن الدراسات التي عنيت بهذا الموضوع رسالة بعنوان (عبادة التأمل في الأديان الكبرى- دراسة مقارنة) للباحثة: رؤى اليوبي، ننصح بمطالعتها.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

۱٤۳۹هـ


*هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا يمثل – بالضرورة – رأي الناشر.

المقالات الأخيرة