خرافات منتشرة

دراسات تُثير الشّك حول فعالية العلاج “بالوخز الإبريّ”

فريق البيضاء للترجمة

أجرى (جيمس ريستون James Reston) -الكاتب في صحيفة نيويورك تايمز-عملية إزالة الزائدة في إحدى المستشفيات الصينية عام ۱۹۱۷م، ثم كتب مقالة وصف فيها إجراءات التخدير التي قام بها الأطباء، وخلاصة ذلك:
استخدم الأطباء مركبًا بسيطًا من دواء “الليدوكايين، والبنزوكايين”؛ لتخديره قبل إجراء العملية عن طريق الحقن، ثم بعد إجراء العملية استخدموا شيئًا مختلفًا لتخدير آلامه، حيث قاموا بوخز الجلد بإبر صغيرة في مواضع محددة، ثم لفّها ببطء، وهو ما يعرف في الطب الصيني بـالوخز الإبري (Acupuncture)، وقد كان فعَّالًا كما حكاه الكاتب.

أثارت المقالة جدلًا واسعًا، وساد اعتقاد بأن الأطباء قاموا باستخدام الوخز الإبري في التخدير للعملية ذاتها، وليس فقط مخدرًا للآلام بعد إجراء العملية.
انتشر بعد ذلك الفضول حول الوخز الإبري في الولايات المتحدة، واتضح فيما بعد أن ما وصفه الكاتب بأنه إجراء تخديري تم هجره منذ القرن السابع عشر لعدة اعتبارات، منها: أنه دجل ومعتقد خرافي، ومنها أيضًا: وجوب التوجه إلى الأساليب العلمية في العلاج.

ينسب إعادة إحياء هذه الممارسة إلى قائد الحزب الشيوعي الصيني (ماو زيدونغ Mao Zedong) وذلك في خمسينات القرن العشرين؛ في محاولة منه لإقناع الشعب بأنهم يمتلكون وسيلة تساعد في المحافظة على الصحة بالرغم من ندرة الموارد الطبية والمالية.
ولم يكن مثار العجب في نجاح حملة (ماو زيدونغ Mao Zedong) في الصين، بل إن المستغرب هو الأثر الذي خلفته في الولايات المتحدة اليوم؛ حيث يخضع للوخز كل عام مئات الألوف من الأمريكيين، وتتراوح الحالات بين آلام جسدية واضطرابات عقلية، كما تنفق الحكومة الفدرالية عشرات الملايين من الدولارات لدراسة آليته.
لم ينتج عن تلك الدراسات -حتى الآن- ما يفيد مباينة الوخز الإبري عن غيره من الأساليب العلاجية الباطلة، سواء قام الباحثون باختراق الجلد أم لا، أو استخدام إبر أو أعواد أسنان، أو وخز المواضع التي حددها الأخصائيون من الجسم أو مواضع عشوائية منه؛ لأن نسبة المرضى الذين شعروا بزوال الآلام بشكل أو بآخر هي نفسها في جميع الحالات.

تقول (هاريت هال Harriet Hall): “لا نملك دليلًا على أن الوخز الإبري أكثر من مجرد علاج وهمي”، وبالمناسبة فهو طبيب أسرة متقاعد، وجرّاح طيران في القوات الجوية الأمريكية، وقد قام بدراسة الطب البديل وكان دائم النقد له.
لكن لم تكن كل النتائج سيئة، فبينما كان العلماء يقومون بدراسة فعالية الوخز اكتشفوا أساليب أخرى ذات فعالية حقيقية على تسكين الآلام.

نتائج بسيطة:
يقوم الوخز الإبري على مفهوم “التشي”، وهو كما يزعمون طاقة تجري في الجسم من خلال عشرين مسار تدعى “خطوط الطول” عند انسداد أحدها يصاب الشخص بالأمراض؛ نظرًا لعدم تدفق الطاقة بسلاسة في الجسم، وإلى هذا يعود سبب وخز الإبر في مواضع معينة من الجسم؛ فبحسب الأماكن المعينة لخطوط الطول يعاد تدفق الطاقة بشكلها الطبيعي في الجسم، ومن ثم يشفى المريض.

يعتقد العلماء منذ زمن عدم وجود “التشي” وجودًا بيولوجيًا فعليًا في الجسم، وقد اتفقت دراسات متعددة على أن نتائج الوخز الإبري واحدة سواءً كان الوخز في مواضع “خطوط الطول”، أو في مواضع عشوائية من الجسم، ولكن المؤيدون له احتجوا بفعاليته بذاته، وكانت حجتهم الأقوى في إثبات ذلك:
ما قام به مجموعة من الباحثين في مركز (ميموريال سلون كيتيرنغ Memorial Sloan Kettering ) للسرطان، حين نشروا عام (۲۰۱۲م) تحليلًا تجميعيًا لتسع وعشرين دراسة على ما يقارب (۱۸.۰۰۰) مريض، توصلوا من خلاله إلى أن إجراء الوخز الإبري التقليدي يؤدي إلى نتيجة أفضل لتخفيف الآلام من الوخز الإبري الوهمي أو المزيف.
واعتبر الكثير هذا الاكتشاف أول دليل صريح على فعاليته، ولكن لصعوبة إجراء دراسات حول فعاليته بأسلوب (التجربة العمياء) فقد سارع العلماء إلى بيان بطلانه؛ لأن الأسلوب المتبع أسلوب لا يكون فيه الباحثون ولا المرضى الذين تتم عليهم الدراسة على علم بمن يُعطى الوخز الإبري التقليدي، ومن يُعطى الوخز الإبري المزيف، بل على العكس من ذلك كان الباحثون على معرفة بالمرضى الخاضعين للإجراء التقليدي، والإجراء المزيف، وهذا -بلا شك- جعل نتائج الدراسة منحازة، وعلى الرغم من أن الإحصائيات أشارت إلى تفاوت في مدى الراحة من الألم بين المرضى إلا أن نسبة الراحة تكاد لا تُذكر.

يقول (ديفد غورسكي David Gorski) -جرّاح الأورام في قسم الطب في جامعة وين ستيت-: “حُجة القائمين على الدراسة هي أن المرضى يمكنهم ملاحظة زوال الألم بمقدار خمسة من مائة في مقياس يبدأ من صفر – ۱۰۰، ولكن لضئالة هذا الرقم فإنهم على الأغلب لا يستطيعون ملاحظته فعلًا”.

ولم يكن لقلة الأدلة العلمية المثبتة لفعاليته تأثير على شغف الناس به، حيث قامت مراكز طبية رابحة بتوظيف أخصائيين للوخز، وبدأت برامج التأمين الصحي بتغطيته بنسبة محدودة، إضافة إلى الملايين التي ينفقها الأشخاص لتغطية بقية التكاليف التي لا يشملها التأمين الصحي.

ولم تتوقف الحكومة عند هذا الحد من التمويل؛ فمجموع الأموال التي صرفتها عليه منذ عام (۲۰۰۸م) تزيد عن (۷۳) مليون دولار، كما استلم أحد المستشفيات مبلغ (۲٦) مليون دولار من وزارة الصحة والخدمات الإنسانية؛ لأجل تمويل دراسات حوله، كما منحت وزارة الدفاع أكثر من (۱۲) مليون دولار من أجل عقود ومنح للوخز الإبري، وقد تكون كثرة الطلب عليه سبب في هذا الاستثمار المستمر.

ومن جهة أخرى تعترف (جوزفين بريقز Josephine Briggs)-مديرة المركز الوطني للصحة التكميلية والتكاملية- بأن الجزء الأكبر من الأدلة يشير إلى أن نتائج الوخز الإبري وهمية لكن الأسباب لدراسته لا تزال -في وجهة نظرها- متوفرة؛ فلا يعقل أن عددًا كبيرًا من الإبر يمكنه تغيير مركز معالجة الألم بطريقة فعلية، ولكن يمكنه المساعدة في اكتشاف آلية تفسر النتائج البسيطة التي يعطيها، كما ساعد اكتشاف العلماء لفعالية بعض الأعشاب الطبيعية في تسكين آلالام إلى اكتشاف مركبات دوائية فعالة، فلا يقتصر هدف الدراسة على مجرد إثبات فعالية الوخز بذاته”.

آلية ممكنة:
قام العلماء بدراسة قائمة من المسارات البيولوجية المحتملة التي قد يكون الوخز فيها فعالًا لإزالة الآلام، وأنجح التجارب هي التي اعتمدت على مادة كيميائية يُعتقد أنها تسكن الآلام عن طريق تخفيف الالتهاب تعرف بـ”أدينوساين”.
وقد أجريت دراسة على الفئران في عام (۲۰۱۰م) نتج عنها: أن الوخز الإبري حفَّز إنتاج “الأدينوساين” والذي أدى بدوره إلى تسكين الألم.

وقام الباحثون بحقن الفئران بمادة كيميائية جعلتهم عرضة أكبر للحرارة، ثم قاموا بإجراء الوخز الإبري، ولاحظوا ارتفاع تركيز “الأدينوساين” بـأربعة وعشرين ضعف في دم الفئران مما يعادل زوال ثلثي الألم، وسرعة تشافيهم من الحرارة.
كما قاموا بحقن الفئران بمركبات مشابهة لـ “الأدينوساين”، ومركبات أخرى تطيل مفعوله في الجسم، وكانت نتيجة ذلك: زيادة فعالية الوخز؛ حيث ساعد في ارتفاع نسبة “الأدينوساين” في الأنسجة المحيطة به.
وبعد عامين صرح مجموعة من الباحثين عن فعالية حقن “حمض الفوسفات البروستاتية” في تخفيف الآلام لفترة طويلة؛ حيث أنه يزيد من كمية “الأدينوساين” في الأنسجة المحيطة.

أثارت النتائجُ السابقة حماسة الباحثين لسبب كبير؛ فالخيارات المتاحة لمعالجة الآلام محدودة وتعتمد غالبًا على التلاعب بالنظام الطبيعي لإدارة الآلام في الجسم، أو ما يسمى “بالنظام الأفيوني”، وتعتبر مسكنات الآلام المصنوعة من الأفيون مشكلة لأسباب عديدة؛ منها: قصر مدى مفعولها، وارتباطها بالإدمان الوبائي، والوفيات التي تسببها الجرعات الزائدة، وقد قامت مراكز السيطرة على الأمراض ومكافحتها -مؤخرًا- بتوجيه الأطباء إلى الحد من استعمالها.

وعلى الجانب الآخر مسكنات الآلام “اللاأفيونية” المتوفرة قليلة، ويحتاج الكثير منها إلى جرعات متعددة، وقد تسبب أعراضًا جانبية كالعجز عن الحركة.

ولكن آلية عمل “الأدينوساين” أتاحت فرصًا لإنتاج أدوية جديدة من الممكن ألا تسبب أعراضًا جانبية، أو إدمانًا، بالإضافة إلى إمكانية التلاعب “بالأدينوساين” لبقائه في الجسم لفترات طويلة، وتجري شركات الأدوية الآن دراسات وأبحاثًا مكثفة عن التركيبات المتعلقة “بالأدينوساين” لتحويلها إلى أدوية، وبغض النظر عن النتائج الواعدة لاستخدامه، فإن نتائج البحث لم تثبت فعالية الوخز الإبري بحد ذاته؛ لأن ما توصل إليه الباحثون هو تحفيز الوخز لإنتاج “الأدينوساين”، وهو ما يمكن أن يفعله الضغط على المنطقة، أو أي نوع من الألم الجسدي.
وفي الواقع إن الذي نتج عن الدراستين: هو أنه عندما بدأ مفعول “الأدينوساين” في نسيج الفئران بطريقة خالية من الوخز كانت استجابته للآلام تعادل، أو ربما أفضل من استجابته بتحفيز الوخز، فلم تعط النتائج أي دليل على فائدة استخدام الوخز في معالجة أي حالة من الحالات التي عادة ما ينصح فيها بالخضوع لهذا الإجراء؛ لأن الاستجابة الموضعية “للأدينوساين” قد ينتج عنها تسكين ألـم موضعي فقط، لا معالجة للأرق أو العُقم مثلًا.
ربما قامت البحوث التي أجراها العلماء بتمهيد الطريق نحو المزيد من المعرفة التي ستؤدي إلى إنتاج أدوية أفضل لعلاج الآلام المستعصية، ولكن ما يتعلق بفعالية الوخز فبإمكاننا أن نكتفي بما توصلنا إليه وهو أن: [العلاج بالوخز الإبري مجرد علاج وهمي].

انتهى المقال بتصرف.


الكاتبة: جنين إنترلاندي Jeneen Interlandi: بكالوريوس في علم الأحياء من جامعة روتجرز، وماجستير في العلوم البيئية، والصحافة في جامعة كولومبيا.

المقال المترجم يتضمن معلومات يمكن الاستفادة منها، ولا يلزم من نقله موافقة الكاتب في منطلقاته أو إقرار معتقده وتوجهاته.

المقالات الأخيرة