مقالات البيضاء

جهود الجهات التنظيمية في السعودية للحد من النشر المنظم للخرافة والدجل

د. عائشة الشمسان

الحمد لله والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين ليخرج الناس من ظلمات الجهل إلى نور الحق والعلم… 

أما بعد:

في ظل الانفتاح المعاصر وتعدد وتنوع مصادر المعلومات؛ برز-ما يمكن تسميته- بالنشر المنظم للخرافة والذي يتسم باستخدام القوالب والميادين العلمية كـ”الكتب والاستشارات والتدريب والاستشفاء” وينتظم أفراده في مجموعات تنتمي لمرجعيات تعمل على تخريج الطلاب كمعلمين ومستشارين في مختلف الجوانب الصحية والنفسية والاجتماعية والمالية دون أي اعتبار لمعايير علمية أو قيمية، وبشعارات فضفاضة كتطوير الذات والنمو الروحي والقوانين الكونية وغيرها وقد رصدت الجهات التنظيمية والرقابية في المملكة العربية السعودية هذه الممارسات ففي تقرير أعده المركز الوطني لتعزيز الصحة النفسية أكد من خلاله رصد أكثر من ثلاثمائة برنامج تحمل ادعاءات صحية ونفسية وإرشادية تفتقر إلى المنهج العلمي، ولا تستند على حقائق أو دراسات علمية؛ منها ما هو مهتم بالمشاعر والعلاقات والوعي، ومنها البرامج العلاجية المستندة إلى الطب البديل، بالإضافة إلى برامج التأمل والاسترخاء وتحليل الشخصية، وقد أدركت الجهات التنظيمية الأضرار المترتبة على إقامة تلك البرامج فأصدرت الإجراءات التي تهدف إلى الحد منها؛ والتي تنوعت بين الأوامر العليا والقرارات والتحذيرات، ومن أهمها الأمر السامي ذي الرقم (۱۲۰۹۷) وتاريخ ۱۱/۳/۱٤۳۸هـ وجاء فيه ما يلي:

  • منع ممارسة نشاط العلاج بالطاقة أو التدريب عليه في المملكة.
  • منع استيراد أو تصدير أو فسح أو نشر أو عرض الكتب والمواد السمعية والمرئية المتعلقة بنشاط العلاج بالطاقة، أو التدريب عليه.

كما شُكلت بأمر من سمو وزير الداخلية لجنة مكونة من عدة جهات حكومية منها وزارة الشؤون الإسلامية ووزارة التعليم وذلك بتاريخ ۱/۸/۱٤۳۸هـ بهدف دراسة أوضاع الدورات التي تبث الخرافة والدجل تحت مسميات متعددة منها (البرمجة اللغوية العصبية، والطاقة، واكتشاف الذات) وكان من مخرجاتها إشعار وزارة التعليم الجامعات والجهات الأكاديمية بالتقيد بالأمر السامي -الذي سبق الإشارة إليه-.

وأصدر المركز الوطني للطب البديل والتكميلي بياناً بتاريخ ٤/۱/۱٤۳۸هـ حذر فيه من التعامل مع من يدعي العلاج بالطاقة أو حضور دوراتهم التدريبية والتي تحمل مسميات متنوعة منها: “الطاقة الحيوية وتمارين الذاكرة، وربط المعدة بالإيحاء، والبرمجة اللغوية العصبية، وموازنة الشاكرات، وإطلاق القوى الخفية، وقانون الجذب، وطاقة الألوان، والعلاج النفسي البراني، وغيرها” وذلك حفاظاً على صحة وسلامة المجتمع وحماية لهم من تلك الادعاءات التي ألبست لباس العلم والدين لترويجها وإبعادها في الوقت نفسه عن التدقيق العلمي بالوسائل الحديثة، وبين المركز أنه لا توجد أدلة منهجية علمية تدعم العلاج بالطاقة بجميع أشكاله ومسمياته، وأكد المركز أنّ العلاج بالطاقة غير مرخص به في المملكة العربية السعودية محذرًا من استخدام العلاج بالطاقة كعلاج بديل أو تكميلي، خاصة إذا أدى إلى حرمان المريض من فرص العلاج الطبي الحديث.

كما أصدرت الإدارة العامة للتدريب الأهلي تعميماً برقم (۸/۱/٦۹٦۱۱) وتاريخ: ۱۸/٤/۱٤۳۸هـ، تؤكد فيه على جميع منشآت التدريب الأهلي الالتزام بالأمر السامي -السابق بيانه- والامتناع عن ممارسة أي نشاط مرتبط بالعلاج بالطاقة أو التدريب عليه.

كما صدر عن الإدارة العامة للتدريب الأهلي تعميم برقم (۱/۸/۲۸۳٤۰) وتاريخ: ۱۳/۲/۱٤۳۹هـ يطلب من جميع منشآت التدريب الأهلي التوقف عن تقديم دورات بمسمى “تحيل أنماط الشخصية بواسطة خط اليد والرسومات- الجرافولوجي-” وذلك بعد رصد هذا النوع من الدورات والتي لا تستند على أسس علمية.  وتعد أحد أشكال العلوم الزائفة حيث صدرت عدد من المراجعات العلمية التي تنفي استناد هذه الممارسات إلى أي أسس أو معايير حقيقية، ولا تعدو كونها نوعاً من الدجل. 

وتعد دورات ما يسمى بالكوتشنج والمدرب الشخصي من الدورات المهارية غير المتخصصة ويخضع محتواها والاستشارات التي تقدم من خلالها لتوجه المدرب أو تخصصه، ونظراً لما يترتب على ذلك من أضرار تتمثل في تقديم آراء غير متخصصة، أو الترويج لأفكار وشعارات مخالفة، وبعد رصد الجهات المختصة لعدد من التجاوزات المتمثلة بتقديم الاستشارات الصحية والنفسية دون أساس علمي؛ صدر عن إدارة التدريب الأهلي تعميماً برقم (۸/۱/۱٦۰۰٥٦) بتاريخ: ۱٦/۹/۱٤٤۰هـ، يفيد بإلغاء اعتماد الدورات بمسمى (كوتشنج أو مدرب شخصي). 

ومن منطلق الدور الرقابي والتنظيمي للمركز الوطني للطب البديل والتكميلي فإنه يسعى إلى تتبع وضبط الأنشطة والممارسات التي يروج لها عبر وسائل الإعلام المختلفة والتي تحمل ادعاءات علاجية مضللة ولا تستند إلى براهين علمية أو تتضمن ممارسات علاجية تخالف أحكام العقيدة الإسلامية. ويعمل المركز على توجيه الرسائل التوعوية من خلال مواقعه وحساباته الرسمية. إضافة إلى استقباله للبلاغات تجاه المخالفين.

ومن الأنشطة المخالفة التي ضبطها المركز: ممارسات وادعاءات العلاج بالطاقة بالإضافة إلى الادعاءات المتعلقة بمعالجة الأمراض المزمنة والنفسية.

ومن ضمن الجهود التي تبذلها إدارة التدريب الأهلي وبالتعاون مع الجهات الرسمية أصدرت عدداً من التعاميم التي تمنع وتحذر فيها من التعاون مع المدربين الذين ثبت عليهم ترويج للانحرافات العقدية والفكرية والمغالطات العلمية، ومن ذلك التعميم رقم (۸/۱/۷۷٥۱۲) بالتعاون مع الرئاسة العامة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعميم رقم (۸/۱/۱۱۸۱۹۷) بالتعاون مع المركز الوطني للطب البديل والتكميلي.

وبالإضافة إلى ما ذكر سابقاً لا تزال الجهات المعنية تتابع وترصد ما يخالف أنظمتها وتستقبل البلاغات تجاهها.

وخير ما تواجه به الخرافة والجهل نشر العلم ودعم مؤسساته التي لم تُنشأ إلا لرفع الجهل وصيانة العقل الذي هو محل عناية الشارع الحكيم ومناط التكليف وبإعماله يتميز أهل العلم {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَاب} وبإهماله يذم أهل الجهل والضلال، {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُون} [البقرة: ۱۷۰].

ومجال التعليم والتدريب يتسع لكل من يقدِّم منهجاً سليماً يعتمد الأسس العلمية ويخلو من المخالفات العقدية والشوائب الفكرية. حيث جاءت الأنظمة مؤكدة على ذلك فنصت المادة الثالثة عشر من النظام الأساسي للحكم: “يهدف التعليم إلى غرس العقيدة الإسلامية في نفوس النشء، وإكسابهم المعارف والمهارات، وتهيئتهم ليكونوا أعضاء نافعين في بناء مجتمعهم، محبين لوطنهم، معتزين بتاريخه”.

كما نصت المادة الثالثة من نظام (إنتاج المواد التعليمية المساعدة وتسويقها) على حظر إنتاج أو تسويق أي مادة تعليمية تحتوي على مخالفة أحكام الشريعة الإسلامية والسياسة العامة للدولة وأنظمتها.

 

والمتأمل فيما سبق يجد أنه يدل على عناية وحرص المسؤول وصاحب القرار في المملكة العربية السعودية على حماية العقول وصيانة المنهج العلمي عن العبث وهذا مقام فخر يستحق الإشادة والشكر، ويكتمل بمتابعة تطبيق هذه القرارات واستحداث الآليات المناسبة لتنفيذها وتطويرها بما يتفق مع وسائل التدريب والتعليم الحديثة، ويتكيف مع تلون الخرافة وتجدد قوالبها ومسمياتها.

۱٤٤۲هـ


*هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا يمثل – بالضرورة – رأي الناشر.

المقالات الأخيرة