خرافات منتشرة

الوخز بالإبر لا مفعول له

فريق البيضاء للترجمة

منذ حوالي سنة طلب مني محررو مجلة (Anesthesia & Analgesia) إجراء مناقشة كتابية حول كون الوخز بالإبر فعّالا أم أنه مجرد دواء وهمي، فوافق أربعة باحثين من ذوي خبرة في مجال الوخز بالإبر على كتابة المقال المؤيد لهذه الممارسة، وهم: (وانغ ، هاريس، لين وغان Wang, Harris, Lin and Ga)، وطلبوا من (ديفيد كولكوهون David Colquhoun) أن يكتب في نقدها وأن يمثل وجهة نظر المعارضين لها، و(ديفد) طلب مني أن أكتب معه في هذا المجال، وقد وافقت بالطبع وبكل حماس.

ولحسن الحظ، فقد تم نشر المقالة من ضمن المنشورات المفتوحة، وبالتالي فإن بإمكاني إعادة نشرها هنا، وخلاصتها: أننا أثبتنا بشكل مقنع وفق معايير الطب المعتبرة: أن الوخز بالإبر لا مفعول له.
اسمحوا لي أن أشرح ما أعنيه:
لقد كانت حجتنا المقنعة أنه بعد عقود من البحث وعدد كبير من التجارب -يتجاوز ٣٠٠٠- فشل الباحثون في الوخز بالإبر في إبطال الفرضية الصفرية (فرضية العدم التي تنص على أن الأصل عدم التأثير حتى يظهر خلاف ذلك من خلال الدراسات المتكررة)، وأي احتمال لوجود تأثير فهو ضئيل جدًا لدرجة أنه لا يؤثر في نتائج الاختبارات السريرية.
ولتبسيط المعنى: الوخز بالإبر لا ينفع، وليس للوخز بالإبر أي مفعول لأي شيء.
وهذه النتيجة لها آثار سريرية وأخلاقية وعلمية وعملية عميقة، إذ يجب أن تتوقف الدراسات عن إضاعة المزيد من الأموال، والأوقات، والموارد على هذا الطريق المسدود وينبغي لنا أن نعتبر هذا درسًا نستفيد منه، وأن نقلل خسائرنا، ونمضي قدمًا. ولكن نظرًا لطبيعة البشر، فإني لا أتوقع أن يحصل ذلك في أي وقت قريب للأسف.

الوخز بالإبر ليس إلا استعراضًا وهميًّا -الدراسة المفصلة-:

  • (ديفيد كولكوهون PhD ,David Colquhoun,) دكتوراه (أستاذ في جامعة لندن بقسم الصيدلة).
  • (ستيفن ب. نوفيلا Steven P. Novella)، دكتوراه في طب المخ والأعصاب.

المقدمة:
الألم مشكلة كبيرة، وإذا قمت بالقراءة عن مراكز إدارة الألم فقد تعتقد أنه تم التوصل لحل مشكلة الألم، لكن ذلك لم يحصل، وعندما لا يوجد علاج فعال لمشكلة طبية، فإن ذلك يؤدي لتشبث المريض بالقشة! بل قد أظهرت الأبحاث أن الوخز بالإبر ليس أفضل من القشة بكثير!

على الرغم من المزاعم بأن الوخز بالإبر تمت ممارسته منذ آلاف السنين، إلا أنه لم يكن شائعًا على مر العصور، حتى في بلد منشئه الصين. ففي الألف عام الماضية كانت ممارسة الوخز بالإبر في انحسار، وفي عام ١٨٢٢ أصدر (الإمبراطور داو غوانغ Emperor Dao Guang) مرسومًا إمبراطوريًّا ينص على أنه يجب حظر العلاج بالوخز الإبري والكيّ في الأكاديمية الطبية الإمبراطورية إلى الأبد.

استمر الوخز بالإبر كنشاط هامشي بسيط في الخمسينيات، وبعد الحرب الأهلية الصينية، كان الحزب الشيوعي الصيني يسخر من الطب الصيني التقليدي -بما في ذلك الوخز بالإبر- باعتباره خرافة، ثم قام الرئيس (ماو تسي تونغ Mao Zedong) في وقت لاحق بإحياء الطب الصيني التقليدي كجزء من الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى في عام ١٩٦٦. وكان ذلك لأجل ندرة الأشخاص المدربين طبيًّا في الصين بعد الحرب، ولاعتباره طريقة مفيدة لزيادة القومية الصينية، ويقال إن الرئيس (ماو) نفسه فضل الطب الغربي، ونقل عنه طبيبه الشخصي قوله: “على الرغم من أنني أعتقد أننا يجب أن نشجع الطب الصيني، إلا أنني شخصيًا لا أؤمن به، أنا لا أتناول الدواء الصيني”.

ويبدو أن التحيز السياسي -أو ربما التجاري- لوخز الإبر لا يزال قائمًا. وقد نُقل -من قبل مؤلفين متعاطفين مع الطب البديل- أن “جميع التجارب [على الوخز بالإبر] التي نشأت في الصين واليابان وهونغ كونغ وتايوان كانت إيجابية”.
لقد كان الوخز بالإبر غائبًا في الغرب حتى زار الرئيس (نيكسون Nixon) الصين في عام ١٩٧٢. فكان إحياء هذه الممارسة في الغرب على يد الصحفي الأمريكي (جيمس ريستون James Reston) حيث نشر مقالاً في صحيفة نيويورك تايمز ذكر فيه تجربته عندما خضع للوخز بالإبر في بكين لمعالجة آلام ناتجة عن جراحة خضع لها عام ١٩٧١، وعلى الرغم من مكانته كصحفي سياسي لم يكن لدى ريستون خلفية علمية، ومن الواضح أنه لم يكن مطّلعًا على شروط التجربة العلمية الصحيحة.

بعد تقرير (ريستون)، سرعان ما أصبح الوخز بالإبر شائعًا في الغرب، وانتشرت قصص تفيد بأن المرضى في الصين خضعوا لجراحة قلب مفتوح باستخدام الوخز بالإبر فقط! فأرسل مجلس البحوث الطبية (المملكة المتحدة) وفدًا ضم (آلان هودجكين Alan Hodgkin) إلى الصين في عام ١٩٧٢ للتحقيق في هذه الادعاءات، حيث كانوا متشككين فيها، وتكررت هذه المزاعم والادعاءات في عام ٢٠٠٦ في برنامج تلفزيوني لهيئة الإذاعة البريطانية، لكن (سايمون سينغ Simon Singh) مؤلف (Fermat’s Last Theore نظرية فيرمات الأخيرة) اكتشف أن المريض قد أعطي مزيجًا من ٣ مهدئات قوية جدًا (ميدازولام، دروبيريدول، فنتانيل) وكميات كبيرة من المخدر الموضعي الذي تم حقنه في الصدر. وكان الوخز مظهرًا شكليًا فقط.
ومن العجيب أنه بالرغم من أن المبادئ المزعومة للوخز بالإبر لا تقل غرابة عن أي طريقة علاجية بدائية تسبق الطب الحديث إلا أنه اعتبر أكثر معقولية من الممارسات الخرافية الأخرى في الطب البديل. ونتيجة لذلك، تم إجراء المزيد من الأبحاث حول الوخز بالإبر فاقت أي ممارسة هامشية أخرى.
وتضمَّنت نتيجة هذه الدراسة أنْ لا فوائد للوخز بالإبر، ووجود قدر ضئيل من آثارها لا أهمية له، إذ الوخز بالإبر ليس أكثر من استعراضات وهميَّة وستناقش الآن الأدلة على هذا الاستنتاج.

 

ثلاثة أمور لا صلة لها بالحجة:
نحن لا نرى أي فائدة من مناقشة النتائج البديلة -مثل دراسات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي أو دراسات إطلاق الإندورفين- حتى يحين الوقت الذي يثبت فيه أن الذين يعالجون بالوخز الإبري انتفعوا بها فزال الألم، ولكن من الواضح أن ذلك لم يحصل بعد.

كما أننا لا نرى فائدة تذكر في إجراء الدراسات الفردية، فالتناقض سمة بارزة لأبحاث الوخز بالإبر، وعدم تجانس النتائج يُشكل مشكلة للتحليل الشمولي؛ وبالتالي يسهُلُ اختيار التجارب التي تظهر أدنى نتيجة على الإطلاق؛ ولذلك سننظر في التحليلات الشمولية فقط.

إن قولهم بأن الوخز بالإبر هو علاج أكثر شمولية، أو أنه أكثر تركيزًا على المريض من الطب الحديث يبدو لنا تضليلًا متعمَّدًا وذرٌّ للرماد في العيون، فجميع الأطباء الجيدين متعاطفون ومركزون على المريض، والقول بأن التعاطف حصر على الذين يعالجون بممارسات الطب البديل التي لا تعتمد على المنهج العلمي هو قول متعالٍ مسيء للأطباء، وكأنهم يعترفون بأن التعاطف هو الشيء الوحيد الذي تقدمه العلاجات البديلة.

واليوم هناك إجماع على أن فوائد الوخز بالإبر لتسكين الألم -إن وجدت- فهي ضئيلة جدًا ولا تفيد المرضى.
لقد كشفت التجارب السريرية ذات النطاق الواسع والتي أجرتها مراكز متعددة في ألمانيا والولايات المتحدة بأن العلاج بالوخز بالإبر على الطريقة المعروفة والمعتمدة عن أهله، وفي المقابل العلاج بالوخز بالإبر بطريقة وهمية لا تؤديان إلى نتائج مختلفة في خفض مستويات الألم لعدد من اضطرابات الألم المزمنة: كالصداع النصفي، وصداع التوتر وآلام أسفل الظهر وهشاشة العظام في الركبة.

إذا كان الوخز بالإبر الوهمي لا يختلف بالفعل عن الوخز بالإبر الحقيقي، فإن التحسن الواضح الذي يمكن رؤيته بعد الوخز بالإبر هو مجرد تأثير وهمي. وبالإضافة إلى ذلك، فإنه يُظهِر أن فكرة خطوط الطول (مسارات الطاقة والمريديان) خيالية بحتة.

كل ما تبقى لمناقشته هو ما إذا كان تأثير الدواء الوهمي كبيرًا بما يكفي ليكون مفيدًا للمريض أم لا، وهل من أخلاقيات الطب المعالجة بالدواء الوهمي؟
لقد أشارت بعض التحليلات الشمولية أنه قد يكون هناك اختلاف ضئيل بين الوخز بالإبر الصورية والوخز بالإبر الحقيقي. (مادسن Madsen et al) وخلص تقرير بتوافق الآراء إلى أن تغييرًا من هذا النوع ينبغي أن يوصف بأنه تغيير “ضئيل” أو “تغيير طفيف”. فإن نسبة التغيير ليست بحجم يمكن أن يلاحظها المريض.

وبطبيعة الحال، لم تكن مجموعات الوخز بالإبر ومجموعات الوخز بالإبر الوهمية معمية عن المرضى ولا معمية عن الممارس الذي يعطي العلاج، فلا يمكن القول بأن الفرق الملحوظ كان فعلاً بسبب عملية فسيولوجية حقيقية أو أنه كان تأثيرًا وهميًا نتيجة لتدخل دراماتيكي إلى حد ما. على الرغم من أنه سيكون من المثير معرفة ذلك، إلا أنه في الواقع لا يهم، لأن التأثير ليس كبيرًا بما يكفي لإنتاج أي فائدة ملموسة.

من المرجح أن يشكل التحيز في النشر بالنسبة للطب البديل مشكلة أكبر مما يشكله بالنسبة للطب الحديث، لذلك من الملفت للانتباه أن النتيجة المذكورة سابقًا قدمها باحثون يمارسون الوخز بالإبر، أو مؤيدون لهذه الممارسة.
لقد أجرى (فيكرز وآخرون Vickers et al) تحليلاً شموليًّا لـ٢٩ تجربة ضابطة تتضمن ١٧،٩٢٢ مريضًا. وكان المرضى يعالجون من مجموعة متنوعة من حالات الألم المزمن. وكانت النتائج مشابهة جدًا لنتائج مادسن وآخرين، حيث تفوقت نتائج الوخز بالإبر الحقيقي على نتائج الوخز بالإبر الوهمي، ولكن الفرق بينهما كان ضئيلاً جدًا ولا يعتبر مؤثرًا سريريًا. ومع أن الفرق كان أكبر في التجارب التي كانت غير معنية (بمعنى أن المريض يعلم أنه يتلقى علاجًا بالممارسة الأصلية أو الممارسة المصطنعة) وبين المجموعات غير المعمية، ولكن مرة أخرى كان التأثير ضئيلًا جدًا لدرجة أنه لا يمكن القول بأن ما يذكره المرضى ملاحظة معتبرة.

تظهر المقارنة بين هذين التحليلين الشموليين على مدى أهمية قراءة النتائج، وليس الملخصات. على الرغم من أن النتائج كانت متشابهة لكليهما، إلا أن الدوران حول النتائج في الملخصات (وبالتالي لهجة التقارير الإعلامية) كانا مختلفين تمامًا.

حدث مثال أكثر تطرفًا في تجربة (CACTUS) للوخز بالإبر لـ”المراجعين المتكررين” الذين يعانون من أعراض غير مبررة طبيًا، في هذه الحالة أظهرت النتائج اختلافًا ضئيلاً جدًّا حتى بين مجموعات الوخز بالإبر ومجموعات عدم الوخز بالإبر، وذلك بالرغم من عدم وجود مجموعات عمياء وعدم وجود ضوابط مناسبة أثناء التجربة، تمكن المؤلفون من اختيار بعض النتائج التي كانت ذات دلالة إحصائية من خلال تجاهل مشاكل المقارنات المتعددة، وكانت أيضا ضئيلة في الحجم. وعلى الرغم من هذه النتيجة السلبية، تم الترويج للنتيجة على أنها نجاح للوخز بالإبر، ليس فقط من قبل الباحثين، ولكن أيضا من قبل قسم العلاقات العامة في جامعتهم، وحتى محررو المجلة أصدروا بيانات مضللة للغاية مما أدى إلى سيل من الرسائل إلى (المجلة البريطانية للممارسة العامة British Journal of General Practice) والكثير من الانتقادات على الإنترنت.

من الناحية الفكرية، من المثير للاهتمام معرفة ما إذا كان الفرق الصغير بين الوخز بالإبر الحقيقي والزائف في بعض الدراسات الحديثة هو نتيجة لتأثير حقيقي للوخز بالإبر أم نتيجة أن الممارسين في التجارب كانوا يعلمون أي الفريقين عولج بالإبر الحقيقة وأيها عولج بالوخز الزائف حيث لم تكن التجارب معمية. أو قد تكون النتائج بسبب تحيز الناشر. على كل حال فإن هذه المعلومات لا تهم المرضى، كل الذي يهم هو هل سيشعرون بتخفيف الألم أم لا؟ والواقع أنهم لا يحصلون على ذلك.

هناك الآن إجماع بين الممارسين للوخز بالإبر وغير الممارسين له على أن أثر الوخز بالإبر -إن وجد- فهو ضئيل جدًا لا يمكن أن يقدم أي فائدة ملحوظة للمرضى. ولأجل ذلك من الصعب فهم سبب استمرارهم باستخدام الوخز بالإبر. فمن المؤكد أنه لو كانت هذه النتائج السلبية المتراكمة لأي علاج آخر في الطب الحديث لتم سحبه.

حالات خاصة:
من المفترض أن تُختبر فعالية الوخز بشكل منفرد للحالات التي يدَّعي أنصار الوخز بأنه مفيد لها (وهي كثيرة جدًا كما هو الحال عادةً في ممارسات الطب البديل) حتى نقيم فعاليته، لم يتم إجراء تجارب ذات نوعية جيدة لهم جميعًا، ولكن النتائج تشير بقوة إلى أنه من غير المحتمل أن الوخز بالإبر فعال لالتهاب المفاصل الروماتويد، أو حتى تساعد على التوقف عن التدخين، ولا مع متلازمة القولون العصبي، ولا مع فقدان الوزن. لا يوجد أيضًا سبب وجيه للاعتقاد بأنه فعال بالتعامل مع الإدمان أو الربو أو الألم المزمن أو الاكتئاب أو الأرق أو آلام الرقبة أو آلام الكتف أو الكتف المتجمد أو هشاشة العظام في الركبة أو عرق النسا أو السكتة الدماغية أو طنين الأذن والعديد من الحالات الأخرى.

في عام ٢٠٠٩، أوصى (المعهد الوطني للتميز السريري في المملكة المتحدة National Institute for Clinical Excellence) بالوخز بالإبر لآلام الظهر. مما تسبب بشيء من الضجة.

في ضوء حكم المعهد الوطني للتميز السريري، قام (مركز أكسفورد للطب القائم على الأدلة Oxford Centre for Evidence-Based Medicine) بتحديث تحليله للوخز بالإبر لآلام الظهر. وكان حكمهم: “خلاصة القول السريري: الوخز بالإبر ليس أفضل من عود أسنان لعلاج آلام الظهر”.

مقالة (أرتوس وآخرون Artus et al) له أهمية خاصة لمشكلة آلام الظهر. يوضح أن هناك تحسنًا متواضعًا في درجات الألم بعد العلاج، ولكن ظهر التأثير نفسه، مع نفس الدورة الزمنية بغض النظر عن العلاج الذي يتم إعطاؤه، وحتى مع عدم وجود علاج على الإطلاق. ذكر الباحثون:
“لقد وجدنا أدلة على أن هذه الاستجابات يبدو أنها تتبع اتجاهًا شائعًا للتحسن السريع المبكر في الأعراض التي تتباطأ ثم تستقر لفترة بعد ٦ أشهر من قمة العلاج، على الرغم من أن حجم الاستجابة يختلف اختلافًا كبيرًا، وجدنا نمطًا مشابهًا من التحسن في الأعراض بعد أي علاج، بغض النظر عما إذا كان مؤشرًا أو مقارنة نشطة أو رعاية عادية أو علاجًا وهميًّا”.

يبدو أن معظم ما ظهر لنا كان التراجع والانحدار إلى المتوسط، وقد يكون السبب الرئيسي وراء ظهور فعالية الوخز بالإبر في بعض الأحيان عندما لا يعمل.
على الرغم من أن مقالة (وانغ وآخرون Wang et al) كتبت للدفاع عن الاستخدام المستمر للوخز بالإبر، فإن الحالة الوحيدة التي يدّعون وجود دليل قوي لفعالية الوخز بالإبر هو مع حالة الغثيان والقيء بعد العملية الجراحية (PONV). سيكون من الغريب بالتأكيد إذا تبين أن العلاج الذي ادّعى فعاليته مع مجموعة واسعة من الحالات يعمل فقط لعلاج حالة واحدة وهي الغثيان والقيء ما بعد العمليات الجراحية (PONV)، ومع ذلك، دعونا ننظر إلى الأدلة.

الأوراق الرئيسية التي يتم الاستشهاد بها لدعم فعالية الوخز بالإبر في التخفيف من PONV كلها من نفس المؤلفين: (Lee and Done 1999 Cochrane reviews), (Lee and Done 2004), تم تحديثها في (Lee and Fan 2009). لكن نحن بحاجة إلى التعامل مع أحدث تحليل شمولي فقط.

على الرغم من أن المؤلفين توصلوا إلى أن “تحفيز نقطة الوخز بالإبر P6 منع “PONV”، إلا أن الفحص الدقيق يظهر أن هذا الاستنتاج بعيد كل البعد عن اليقين. وحتى إذا أخذنا بالقيمة الاسمية، فإن الخطر النسبي البالغ ٠،٧ لا يمكن وصفه بأنه “وقاية”. التجارب التي تم تضمينها لم تكن كلها اختبارات للوخز بالإبر، ولكنها شملت العديد من العلاجات الأخرى منها الأكثر غرابة ومنها الأقل غرابة مثلاً الوخز بالإبر، الوخز بالإبر الكهربائية، تحفيز الأعصاب عبر الجلد، تحفيز الليزر، جص الفليفلة، جهاز التحفيز بالإبر، والعلاج بالإبر. وتراوح عدد المشاركين في التجربة بين ٣٤ و٥ حالات للمرضى الذين لديهم معدلات تحكم في PONV تبلغ ١٠٪ و٧٠٪ على التوالي.

أظهر التحليل الشمولي بأن متوسط فعالية الوخز بالإبر مماثل للأدوية المضادة للقيء. المشكلة هي أن فعالية الأدوية في حد ذاتها موضع شك، لأن تحديث مراجعة Cochrane كوكرين قد تأخر بسبب اكتشاف احتيال كبير من قبل طبيب تخدير ياباني يدعى (يوشيتاكا فوجي Yoshitaka Fujii). اقترح أن (metoclopramide) بالكاد يعمل على الإطلاق.
ومن بين ٤٠ تجربة ( ٤٨٥٨ مشاركًا) شملتها (لي وفان in Lee and Fan)، أبلغت ٤ تجارب فقط عن إخفاء كاف للمخصصات. تسعون في المئة من التجارب كانت مفتوحة للتحيز من هذا المصدر، ولم تبلغ اثنتا عشرة تجربة عن جميع النتائج، فرص التحيز واضحة، يصف المؤلفون أنفسهم جميع التقديرات بأنها “ذات جودة معتدلة” والتي يتم تعريفها على النحو التالي: “من المرجح أن يكون لمزيد من البحث تأثير مهم على ثقتنا في تقدير التأثير وقد يغير التقدير”. ولما كان الأمر كذلك، فربما كان ينبغي أن يكون الاستنتاج هو “الحاجة إلى مزيد من البحوث”. استنتاجات (لي وفان) ليست استنتاجات آمنة كما أشاروا إليه في فقرة النبذة المختصرة لبحثهم. في الواقع، يبدو أن جميع تجارب الأدوية البديلة تقريبا تنتهي إلى استنتاج أن هناك حاجة إلى مزيد من البحوث. وبعد أكثر من ٣٠٠٠ تجربة، أصبح ذلك أمرًا مشكوكًا فيه.

الاستنتاجات:
من الواضح من التحليلات الشمولية أن نتائج تجارب الوخز بالإبر متغيرة وغير متناسقة، حتى بالنسبة للحالات الفردية. بعد آلاف التجارب على الوخز بالإبر ومئات المراجعات المنهجية، تستمر الحجج بكامل قواه. في عام ٢٠١١، نشرت مجلة (Pain) افتتاحية لخصت الوضع الحالي بشكل جيد.

“هل نحن حقا بحاجة للمزيد من الدراسات؟ (إرنست وآخرون Ernst et al). تشير إلى أن الدراسات الإيجابية تلخص أن الوخز بالإبر يخفف الألم في بعض الحالات، ولكن ليس في حالات أخرى مشابهة جدًا. ما رأيك إذا ثبت أن حبوب الألم الجديدة تخفف الألم العضلي الهيكلي في الذراعين ولكن لا تخفف من الألم في الساقين؟ التفسير الأكثر بشاعة هو أن الدراسات الإيجابية هي إيجابيات كاذبة. في مقالته الأساسية حول سبب خطأ معظم نتائج الأبحاث المنشورة، يشير إلى أنه عندما تتم دراسة علاج شائع ولكنه غير فعال، فإن النتائج الإيجابية الخاطئة شائعة لأسباب متعددة، بما في ذلك التحيز والاحتمال المسبق المنخفض.

وبما أنه ثبت أنه من المستحيل العثور على أدلة قطعية بعد أكثر من ٣٠٠٠ تجربة، فقد حان الوقت للاستسلام. يبدو من غير المرجح أن الأموال التي سيكلفها إجراء ٣٠٠٠ تجربة أخرى سيتم إنفاقها بشكل جيد.

فائض صغير من النتائج الإيجابية بعد آلاف التجارب هو الأكثر اتساقا مع التدخل غير النشط. يتم التنبؤ بالفائض الصغير من خلال سوء تصميم الدراسة والتحيز للنشر. وعلاوة على ذلك، (سيمونز وآخرون Simmons et al). وأظهرت أن استغلال “المرونة غير المكشوف عنها في جمع البيانات وتحليلها” يمكن أن يؤدي إلى نتائج إيجابية إحصائيا حتى من تأثير غير موجود على الإطلاق. يقولون هذا هو “… ليس مدفوعا بالرغبة في الخداع ولكن بالتفسير الذاتي للغموض، والذي يمكننا من إقناع أنفسنا بأن أي قرارات أنتجت النتيجة الأكثر قابلية للنشر يجب أن تكون أيضا الأنسب.

هناك تحيز عميق موثق بين المحترفين مع الوخز بالإبر -على وجه الخصوص-، والدراسات الحالية ملوثة بمتغيرات أخرى غير الوخز بالإبر، مثل الإدراج المتكرر لـ”الوخز بالإبر الكهربائية” الذي هو في الأساس تحفيز العصب الكهربائي عبر الديرمال الذي يتنكر في هيئة وخز بالإبر.
كما تظهر أفضل الدراسات الخاضعة للرقابة نمطًا واضحًا مع الوخز بالإبر، وهو أن النتيجة لا تعتمد على موقع الإبرة أو حتى إدخال الإبرة، نظرًا لأن هذه المتغيرات هي تلك التي تحدد الوخز بالإبر، فإن الاستنتاج المعقول الوحيد هو أن الوخز بالإبر لا مفعول له. كل شيء آخر هو الضوضاء المتوقعة من التجارب السريرية، ويبدو أن هذه الضوضاء مرتفعة بشكل خاص مع أبحاث الوخز بالإبر. الاستنتاج الأكثر بشاعة هو أنه مع الوخز بالإبر لا توجد إشارة، فقط ضوضاء.
ستكون مصالح الطب أفضل خدمة إذا قمنا بمحاكاة الإمبراطور الصيني (داو غوانغ)، وأصدرنا مرسومًا ينص المنع من استخدام الوخز بالإبر في الممارسة السريرية.
لا شك أن الوخز بالإبر سيستمر في الوجود عند عامة الناس حيث يمكن التسامح معها كضريبة طوعية مفروضة ذاتيًا على السذج (طالما أنهم لا يقدمون ادعاءات غير مبررة).


الكاتب: د.ستيفن نوفيلا Steven Novella: طبيب أعصاب، وأستاذ مشارك في كلية الطب بجامعة ييل.

المقال المترجم يتضمن معلومات يمكن الاستفادة منها، ولا يلزم من نقله موافقة الكاتب في منطلقاته أو إقرار معتقده وتوجهاته.

المقالات الأخيرة