مقالات البيضاء

الماندالا: دوائر سحرية، أم رسوم هندسية!

أ. نسرين الجطيلي

انتشر في الآونة الأخيرة بين مختلف الفئات العمرية ممارسةٌ تعتمد على الرسم والتلوين تعرف بـ “الماندالا”؛ حيث شاع طرح دوراتٍ تدريبية، ومواقع إلكترونية، وتطبيقاتٍ للأجهزة الذكية، وانتشر عرض كتبٍ وكراريس تُعنى بتعليم رسم وتلوين “الماندالا” أو العلاج بـها.

فما هي “الماندالا”؟ وما سر رواج هذه الرسومات؟ وما أصلها وحقيقة منشأها؟ وما الموقف الشرعي منها؟

يعتبر المروجون لهذه الممارسة -من المهتمين بعلوم الطاقة والتنمية البشرية- أن رسم “الماندالا” وتلوينها وسيلة من وسائل العلاج بالطب البديل المرتبطة بالرسم والألوان، والمعتمدة على الشفاء الذاتي.

كما يرون أنه فن “الوعي التام” الباعث على السعادة واستنهاض الإبداع الفردي، واكتشاف الذات من خلال رؤية جديدة للمحيط الخارجي. ويؤكدون على أن هذه الممارسة وسيلة للتخلص من التوتر العصبي والضغوطات الحياتية والقلق، حيث يعتبرونها نوعاً من الرياضات الذهنية التي تؤمّن الاسترخاء وتفرغ الطاقة السلبية، كونها تستدعي الاستغراق الفكري والدخول في حالة من التأمل والهدوء النفسي المؤدي إلى السلام الداخلي والراحة.
ويزعم البعض أن رسم “الماندالا” نوعٌ من أنواع العلاج التحليلي فبعد أن يختار الشخص شكلاً معيناً من أشكال “الماندالا” يرسمها ويلونها، يقوم المختص بتحليلٍ نفسي لتلك الرسومات للتعرف على دلالاتها النفسية والمشاكل التي تشير إليها؛ حيث يزعمون أن لكل لون ٍ دلالةٌ معينة تُعتبر ترجمة للشخصية وما تعانيه.
ويرجعون اكتشاف الأثر العلاجي لـ “الماندالا” إلى طبيب النفس السويسري “كارل يونج” الذي عُرف عنه شغفه بالفلسفة الشرقية والعلوم الغنوصية والمعارف الميتافيزيقية، حيث ناقش هذه الفكرة في كثير من كتبه وبحوثه، واعتبر أن رسمها من أبرز الطرق العلاجية المستخدمة في منهجه التحليلي.

أصل ونشأة “الماندالا”:
للتعرف على معنى “الماندالا” ودلالتها وتصور أصل هذه الممارسة ونشأتها يمكننا الرجوع لما كتبه “يونج” وإجماله فيما يلي:

  • “الماندالا” كلمة سنسكريتية تعني الحلقة أو الدائرة السحرية، يتخذ تصميمها الأساسي شكل دائرة أو مربع أو شكل الزهرة (زهرة اللوتس) أو الصليب. وتعتبر من أقدم الرموز الدينية التي تظهر في أغلب الحضارات البشرية، إلا أن ماندالا الشرق وبخاصة ماندالا “التبت” تعتبر الأكثر تأثيراً وجمالاً-حسب رأي “يونج”-
  • تستعمل رسوم “الماندالا” كأداة من أدوات طقوس التأمل الروحي في الفلسفة الشرقية، والذي يهدف إلى تحويل وعي الإنسان إلى الوعي الإلهي، حيث أنها تمثل الألوهية المجسدة في الإنسان، يقول “يونج”: “تعد الماندالا المستعملة في الاحتفالات الطقوسية ذات أهمية بالغة، هذا لأن مراكزها تتضمن في العادة أحد أسمى الرموز الدينية كبوذا وشيفا”.
  • اعتمد “يونج” رسم “الماندالا” كمنهج ووسيلة علاجية تحليلية، فكان يعمل على توجيه مرضاه لرسمها، وممارسة رقصة تحاكيها، يقول: “قد وجدت من بين مرضاي نسوة لم يكنّ يرسمن الماندالا بل يرقصنها. ويسمى هذا النموذج من الماندالا في الهند (مندلة نرثيا) أي ماندالا الرقص، وتعبر الرقصة عن نفس المعنى الذي يعبر عنه الرسم”.
  • ربط “يونج” بين رمزية “الماندالا” الشرقية والمفاهيم التحليلية في مدرسته، حيث يرى أن لـ “الماندالا” أثراً “سحرياً” في العلاج، كونها تمثل الذات الكلية للفرد المشتملة على (الوعي واللاوعي). فرسم رموز وأشكال “الماندالا” المختلفة يعبر عن رغبات “اللاوعي الجمعي” المكبوتة، ومن خلال تفسير وتأمل تلك الرموز تتحرر المكبوتات ويتحول الارتباك والاضطراب النفسي الداخلي إلى نظام ونشاط إبداعي وشفاء ذاتي، يقول: “أظهرت خبرتي في رسم الماندالا أن الطرز الأولية من الممكن أن تنشط وتنظم النشاط الإبداعي للفرد والذي يحدث بدوره أثراً علاجياً شافياً”.

ومما يحسن ذكره أن هذه الأصول الفلسفية لم تخفَ على المروجين لهذه الممارسة في الوقت الحالي، حيث أنهم يصرحون بأن أصلها يرجع للفلسفة الهندية باعتبارها أحد الفنون البوذية التيبتية التي تشير إلى مركز الكون الميتافزيقي، كما تمثل مراكز طاقية للتوازن والنقاء، فهي تساعد الإنسان على خلق رؤية مختلفة للمحيط والنفس من خلال تأملها، فـ”الماندالا” تمثل الاتصال ما بين العالم الداخلي والحقيقة الخارجية المطلقة.

“الماندالا” من منظور شرعي:
من خلال النظر إلى أصول “الماندالا” ورمزيتها يتضح مخالفتها للأصول الشرعية من أوجهٍ ثلاث:

  • الأول: التسمية بالدوائر السحرية:
    إن تسمية “الماندالا” بالدوائر السحرية ليست تسمية اعتباطية أو مجازية، وإنما هي تسمية نابعة من ارتباط “الماندالا” بـ “السيمياء القديمة” والتي هي فرعٌ من فروع الكيمياء والتي ظهرت قديماً في الشرق الأقصى عند الطاويين الذين كانوا يبحثون عن أكسير الحياة الجالب للخلود الأبدي، من خلال الجمع بين الكيمياء والأساليب التأملية الروحانية. كما ظهرت في الغرب من خلال الجمع بين الكيمياء والنصوص الغنوصية العرفانية ناشدين ذات الهدف وهو الخلود الأبدي.
    هذا الارتباط بين “الماندالا” و “السيمياء السحرية القديمة” لم يخفَ على “يونج” بل إنه يؤكد في مؤلفاته أن “السيمياء القديمة “المشتملة على رمز “الماندالا” الشرقية إنما هي النظير التاريخي لعلم النفس التحليلي، فيقول: “سرعان ما رأيت أن علم النفس التحليلي يتوافق بطريقة غريبة مع السيمياء، كانت تجارب السيميائيين وعالمهم هو عالمي. كان هذا بالطبع اكتشافاً ضخماً؛ لقد تعثرت بالنظير التاريخي لعلم نفس اللاوعي الخاص بي”.
    كما وأنه يؤكد على الأثر السحري لـ “الماندالا” فيقول:” إن رمز الماندالا ليس وسيلة للتعبير وحسب، وإنما لإحداث أثر أيضاً. إنه يقوم بالرد على خالقه، إن آثاراً سحرية قديمة جداً تقبع خبيئة في هذا الرمز لأنه يستمد وجوده أصلاً من الدائرة المسحورة، والسحر الذي ما زال يحتفظ به عدد لا حصر له من العادات الشعبية…تهدف الصورة إلى رسم أخدود أو ثلم سحري حول المركز، هي تخوم مقدسة لأعماق الشخصية وذلك لتمنع فيضها أو انبثاقها، أو لتحميها بوسائل بعيدة عن المدار ضد الاضطراب العقلي الذي تحدثه التأثيرات الخارجية”.
    وقد ذكر جمع من أهل العلم أن “السيمياء” نوع من أنواع السحر، وحكمها حكم السحر الذي هو من أكبر المحرمات، فذكر القرافي في الفروق: “أنواع السحر أربعة: (الأول) السيمياء وهو عبارة عما يركب من خواص أرضية كدهن خاص أو مائعات خاصة أو كلمات خاصة توجب تخيلات خاصة، وإدراك الحواس الخمس أو بعضها لحقائق خاصة من المأكولات والمشمومات والمبصرات والملموسات والمسموعات وقد يكون لذلك وجود حقيقي بخلق الله تعالى تلك الأعيان عند تلك المحاولات وقد لا تكون له حقيقة بل تخيّل صرف، وقد يستولي ذلك على الأوهام حتى يتخيل الوهم مضي السنين المتداولة في الزمن اليسير وتكرر الفصول وتخيل السن وحدوث الأولاد وانقضاء الأعمار في الوقت المتقارب من الساعة ونحوها ويسلب الفكر الصحيح بالكلية وتصير أحوال الإنسان مع تلك المحاولات كحالات النائم من غير فرق، ويختص ذلك كله بمن عمل له، وأما من لم يعمل له فلا يجد شيئا من ذلك” .
    وذكر شيخ الإسلام رحمه الله بأن: “أهل الكيمياء يضمون إليها الذي يسمونه السيميا… وقد عُلم أنه محرم بكتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأمة؛ بل أكثر العلماء على أن الساحر كافر يجب قتله”… إلى أن قال رحمه الله: “وإنما المقصود هنا: أنك تجد السيميا التي هي من السحر كثيراً ما تقترن بالكيمياء؛ ومعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن السحر من أعظم المحرمات فإذا كانت الكيمياء تقرن به كثيراً ولا تقترن بأهل العلم والإيمان: عُلم أنها ليست من أعمال أهل العلم والإيمان؛ بل من أعمال أهل الكفر والفسوق والعصيان”.
    وقال رحمه الله: “أما السيميا فإنها من السحر {ولا يفلح الساحر حيث أتى}“. وقال الإمام الذهبي: “فيدخلون في تعليم السيمياء وعملها وهي محض السحر”.
    بناءً على ذلك فإن الحكم يشمل “الماندالا” كونها وسيلة من وسائل “السيمياء” وعملٌ من أعمالها بالتالي فهي محرمة مثلها.

 

  • الثاني: ارتباط “الماندالا” بفلسفة وحدة الوجود:
    ارتبطت “الماندالا” بما يُسمى عند “يونج” بعملية “التكامل والتوحد” حيث يقول: “فإذا صح أن كل فرد يسعى إلى التكامل والتوحد فإن الماندالا تعد ظاهرة جماعية يجربها كل فرد سواء أدرك هذا أو لم يدركه. وصحيح أننا نجابه بالعقبات إذا أردنا إثبات ذلك تجريبياً، ولكن هذا لا يمنع من الاعتقاد بأن الماندالا تلعب في كل فرد دور القطب الخفي الذي يدور حوله كل شيء مما يفعله المرء، أو يتبدى في خواطره وأحلامه، فكل حياة في الوجود تسعى إلى التكامل والتوحد، وعلينا أن ندرك هذه الحقيقة ونخرجها إلى حيز التنفيذ، فالحياة لا تطيب إلا للشخص الذي يجربها ويحياها على حقيقتها”.
    فـ “الماندالا” عنده إنما هي نمط أولي يعبر عن كلية الذات البشرية والألوهية المتجسدة في الإنسان. والقارئ لفلسفة “يونج” والمتتبع لكتاباته يعلم يقيناً أن هذه المعاني مع عملية (التكامل والتوحد) إنما تعبر عن عقيدة وحدة الوجود؛ فمنظومته الفكرية تنطلق من أرضية إلحادية روحانية غنوصية، وأسس شرقية صوفية مغرقة في الماورائيات والأساطير والسيمياء القديمة، فكان منطلقه من فلسفة وحدة الوجود الروحية التي ترى التأليه البشري للإنسان، ويُسمى المبدأ الواحد فيها “إله”، ولكنه إله يحل في مخلوقاته، ويمتزج ثم يتوحد معها ويذوب فيها تماماً، بحيث لا يصير له وجود دونها ولا يصير لها وجود دونه.
    ولا شك أن هذه العقيدة عقيدة كفرية تنافي المفاهيم الشرعية وتناقض أصل التوحيد، فهي تخالف توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات؛ ولقد رد شيخ الإسلام على القائلين بوحدة الوجود بعبارة بليغة مختصرة، فقال رحمه الله:” إن تصور مذهب هؤلاء كاف في بيان فساده، ولا يحتاج – مع حسن التصور-إلى دليل آخر”.

 

  • الثالث: أنها مشابهة لممارسات أهل الكفر والضلال:
    قد يقول قائل أن “الماندالا” إنما هي رسوم وزخارف هندسية عرفتها البشرية منذ سالف الأزمان ولا يشترط ارتباطها بعقائد الفلسفة الشرقية وطقوسها التعبدية ؟
    ويُجاب عن ذلك: بأن “الماندالا” بهذا المسمى وهذه الكيفية لا تنفك عن أصلها بحال من الأحوال، فالارتباط بين الممارسة والفلسفة ارتباط وثيق، حيث أن هذه الممارسة لا تفهم إلا من خلال فهم الفلسفة الأصلية، فهي من الوسائل التي يستعين بها أصحاب الديانات الشرقية في طقوسهم التأملية للوصول لغايات متعددة منها رفع الوعي والاتحاد مع الإله وغيرها.
    ولا شك أن هذا يدخل في باب مشابهة الكفار فيما هو من خصائص دينهم، ويندرج تحت المشابهة في الوسائل والغايات فيكون حكمها في أقل حالاتها التحريم.

وختاماً…

فإنه ينبغي التنبيه والتأكيد على أنه يجب على المسلم التثبت والتيقن في جميع أمور حياته؛ الاستشفائية والتطويرية والترفيهية، فلا يأخذ كل دعوى على أنها حقيقةٌ ثابتة، بل لابد من النظر في مدى صحتها ومصداقيتها وثبوتها العلمي؛ فإن ثبتت بالدليل العلمي القاطع فإنه لا بد من التأكد بعدها من عدم مخالفتها لما جاء في الكتاب والسنة، فالعلم-كما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله-: “لا يعدو أن يكون إما نقل مصدق عن معصوم، وإما قول عليه دليل معلوم، وما سوى هذا فإما مزيف مردود، وإما موقوف لا يعلم أنه بهرج ولا منقود”.

ومن ذلك ألا يغتر بما يُنسب لهذه الممارسة من الثبوت العلمي وأنها من الوسائل العلاجية التحليلية في علم النفس، فمن المتعارف عليه في الأواسط الطبية بأن منهجية “يونج” قائمة على التجارب الشخصية وهجر المناهج التجريبية والإحصائية في الطب النفسي وعلم النفس، والإغراق في دراسة العلوم الغنوصية والسيمياء والتنجيم والأساطير، حتى أصبح على إثرها ضليعاً برموز التقاليد الصوفية الروحية المعقدة في الديانات الهندوسية والبوذية والطاوية، فتركزت معظم كتاباته حول الأمور الغيبية، مدعياً أن الصحة النفسية إنما تستمد من تلك الروحانيات والتي بات يفتقدها الإنسان الحديث في ظل إغراقه في العلوم المادية والعقلية المحضة-حسب رأيه-.

هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصبحه وسلّم.

۱٤۳۹هـ


*هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا يمثل – بالضرورة – رأي الناشر.

المقالات الأخيرة