خرافات منتشرة

“التنجيم” علم باطل، ولا يمت للحقيقة بصلة، إليكم السبب

فريق البيضاء للترجمة

يعدُّ التنجيم منذ نشأته نوعًا من أنواع الكهانة، وقد تم إثبات بطلانه في وقتنا الحاضر مرات عديدة، وصُنّف ضمن العلوم الزائفة التي لا تستند إلى دليل، وستشتمل السطور الآتية على التعريف به، وبيان بطلانه.

فالتنجيم: هو الاعتقاد بتأثير النجوم والكواكب على الحوادث الأرضية، كالاعتقاد بتأثير النجوم على حياة الشخص وطباعه وبيئته بالاعتماد على تاريخ ولادته، أو التنبؤ بأحوال حياة مجموعة من الأشخاص ينتمون إلى برج واحد.

تأثير الأجرام بين الحقيقة والوهم:
ليس لحركة الأجرام السماوية أي تأثير على أحداث الحياة، ولا توجد آلية يمكن من خلالها تفسير كيفية الأثر الـمُدّعى، كما لا توجد أية حجة تثبت ذلك، بالإضافة إلى عدم وجود أي سبب منطقي يقسم البشرية بأكملها إلى اثنتي عشرة مجموعة، مع نسبتها بشكل عشوائي إلى مجموعات فلكية.
والمقصود بالمجموعات الفلكية: مجموعة من النجوم تُشكل صورة لحيوان أو جماد أو أي شكل آخر، وتمثل كل واحدة من هذه المجموعات برجًا معينًا، وتعد الحضارة البابلية أول من قسم هذه المجموعات الفلكية قبل حوالي 3000 سنة، وأضيفت قوائم النجوم البابلية إلى علم الفلك اليوناني في القرن الرابع قبل الميلاد وانتشرت منذ ذلك الحين بين أهل الثقافات الأخرى.
وعند النظر فإنه لا يوجد أي تفسير لصحة اشتراك الأشخاص المولودين في نفس الوقت من السنة بأثر واحد، وقد حاولت المنجمة (إليزابيث تيزير Elizabeth Teissier) تبرير هذا بأن: “الشمس تعود إلى نفس الموقع من الفضاء في هذا التاريخ كل سنة”، ولكنّ هذا التبرير بعيد كل البعد عن الحقيقة؛ فموقع الأرض يختلف كل سنتين متتاليتين بما يقارب (22,000) ميل من موقعها في أي تاريخ محدد، ومما ينبغي أن يؤخذ بعين الاعتبار أن هذه الأبراج نتجت عن مطابقة أنماط بابلية لنجوم السماء وهذا مما لا يمكن الاعتماد عليه في العصر الحديث.

آليات مفقودة:
يفتقر التنجيم إلى دراسة واضحة تثبت صحته، بل إنَّ المنجِّمِين أنفسهم لم يتفقوا على تفسير ما يقوم عليه التنجيم، فمن قائلٍ بأنه علم يعمل وفق آليات محددة ولكنها مفقودة حتى الآن! إلى آخر من يقول بأنه يقوم على تجارب ومحاولات علمية لإثبات فعاليته، ولكن هذه المحاولات باءت بالفشل، وتم نقضها بأساليب علمية، ومنهم من حاول تفسيره بعوامل مسببة تقليدية كالكهرومغناطيسية، والجاذبية، ولكن الآثار المغناطيسية للمجموعات الفلكية كلها لا تكاد تذكر مقارنة بالآثار المغناطيسية للقمر فضلًا عن مقارنتها بالأرض، فأثر المجال المغناطيسي للكواكب والمجموعات الفلكية الأخرى أقل حتى مما تنتجه الأجهزة الموجودة في المنزل.

هل التنجيم علم أم عرافة؟
قد يبدو التنجيم في محاولته تفسير شيء من العالم الطبيعي وكأنه علم، لكنه في الحقيقة لا يستند على آلية موثوقة، ولا يستند المنجمون على منهج علمي في ادعاءاتهم؛ وذلك لأن المنهج العلمي قائم على تقييم النظريات ونقدها وتجربتها واختبارها في مقابل نظريات أخرى معارضة، ومن ثم تعديل النظرية بناءً على حقائق موجودة، وهذا يعد من أساسيات العلوم التي يفشل التنجيم والمنجمون في تحقيقها؛ ولهذا لا يمكن اعتباره علمًا، وقد أقرّ بعض المنجمين بهذا ودعوا إلى عدم تقديم تفسيرات للتنجيم، والاعتراف بعدم إمكانية إجراء الدراسات عليه، وتصنيفه من العرافة، أو السحر.

التنجيم والدراسات العلمية:
إن من الصعب العثور على دراسات جديدة عن التنجيم، فإن التنجيم قد تم إبطاله تمامًا ولذلك لا يوجد دافع لإقامة دراسات جديدة والدراسات القليلة الموجودة اليوم مقنعة إلى حد كبير، وسنستعرض فيما يلي شيئًا منها سواء كانت قوية أم ضعيفة:

  • تجربة كارلسون (the Carlson study)
    نشرت مجلة (نيتشر Nature) عام 1985م دراسة غريبة إلى حد ما، أجراها فيزيائي يدعى (شون كارلسون Shawn Carlson)، وكانت حول قدرات المنجمين في التوصل إلى معلومات خاصة بالعميل من خلال مواقع الأجرام السماوية، مع محاولته موافقة دراسته لمتطلبات ومعايير مجتمع العلماء، ومجتمع المنجمين على حدٍ سواء.
    وقامت الدراسة على ثمانية وعشرين منجمًا من أوروبا والولايات المتحدة، حرص فيها على أن تكون دراسته مزدوجة التعمية -أي أن كلاًّ من الباحثين والمشاركين لا يعلمون إلى أي مجموعة ينتمون- وعادة ما تكون الدراسات التي تتبع هذا الأسلوب خالية من التحيز الشخصي من جميع الأطراف المشاركة، فكانت نتيجة الدراسة تنص على أن تخمينات المنجمين مجرد صدف، بل وحتى تلك التخمينات التي كانوا على ثقة بصحتها كانت مجرد صدفة، وكانوا كما قال كارسون بنفسه: “المنجمون مخطئون”.

لا يكون التنجيم فاعلًا إلا في الدراسات الضعيفة:
ومن جهة أخرى فإن من المعلوم أن الدراسات تتفاوت في مستوياتها من ناحية القوة والضعف، ففي مقابل دراسة الفيزيائي (كارلسون) وُجد عدد من الدراسات الضعيفة التي كانت تحاول إثبات فاعلية التنجيم.
وقد أثبت (إيفان كيلي Ivan Kelly) من جامعة (ساسكاتشوانSaskatchewan) في عام 1979م أن غالب الدراسات التي أُجريت فنَّدت الادعاءات التنجيمية، وفنَّدت كذلك الدراسات التي أُجريت في محاولة إثباته، ثم بعد عشرين عامًا من هذه الدراسة قدم (كيلي) دراسة جديدة تثبت -أيضا- خلو التنجيم من القواعد النظرية التي ينبغي أن يقوم عليها.
وكذلك قام الباحثون منذ عقود بتعقب أكثر من ألفي شخص ينتمون لبرج واحد، ولا يختلف وقت ولادتهم إلا بدقائق معدودة؛ فوفقًا لما يزعمه المنجمون ينبغي أن يكون لهم سمات شخصية متشابهة؛ لكنّ النتيجة جاءت بخلاف ذلك، فلم تكن بينهم سمات متشابهة تذكر عدا السمات المتوقعة من التوزيع العشوائي.
وجاءت دراسة أخرى قام بها مجموعة من الأشخاص على عينة أكبر من المشاركين، وكانت نتائجها مشابهة للدراسة السابقة، فاتفقت جميع الدراسات والمراجعات حول التنجيم على نتيجة واحدة؛ وهي أن التنجيم مجرد خدعة.

التنجيم والعلم الزائف:
ومن الدراسات المثيرة للاهتمام الدراسة التي أجراها (بول ثاغارد Paul Thagard) من جامعة (ميشيغان Michigan)، وقد أشار فيها إلى معيار يفصل بين العلوم الحقيقية، والعلوم المزيفة، وكان التنجيم منتميًا حتمًا للعلوم المزيَّفة الباطلة.
ولكن يبقى السؤال هنا: إذا لم يكن للتنجيم أساس نظري يقوم عليه، ولم تكن له نتائج عملية، فلماذا تأتي تخمينات المنجمين صحيحة في بعض الأوقات؟
عند النظر إلى طريقة المنجمين نجد أنهم يستخدمون حيلة العبارات المبهمة والمحتملة لعدة معانٍ في التنبؤ بالأحداث المستقبلية، كقولهم مثلًا: ستواجه تحديًا عصيبًا هذا الأسبوع، دون الخوض في تفاصيل الأحداث.
وكذلك من الأسباب التي تفسر وجه قبول تخمينات المنجمين تأثير ما يعرف بـ (subjective validation) ويُقصد به: محاولة الشخص أن يربط بين موقفين عشوائيين لا علاقة لواحد منهما بالآخر بسبب اعتقادات أو توقعات مسبقة تفترض وجود علاقة بينهما، وللتنجيم ذات التأثير؛ فعندما يقرأ شخص تنبؤات برجه ويجد أن شيئًا ما سيحدث له، سيربط أي شيء يحدث مهما كان نوعه بالتنبؤات التي قرأها مسبقًا. وقد شرح عالم النفس (بيرترام فورير Bertram Forer) هذا النوع من التأثير بطريقة بارعة.

تجربة (فورير):
أعطى (فورير) طلابه نموذج تحليل شخصية فريد، وطلب منهم أن يقيِّموا مدى مطابقته لشخصياتهم على مقياس من (0 إلى 5)، فكانت النتيجة هي اعتقاد جميع الطلاب أن التحليل مطابقٌ لشخصياتهم، ولكن العجيب في ذلك هو أن (فورير) كتب نموذج تحليل الشخصية بنفسه، واستند في كتابته على أبراج مختلفة، وعبارات من نوع:

  • لديك رغبة كبيرة في كسب محبة الآخرين وإعجابهم.
  • لديك إمكانيات كبيرة لم تستفد منها لصالحك.
  • أحيانًا تراودك شكوك حول ما إذا كنت قد اتخذت القرار الصائب أو قمت بالعمل الصائب.
  • تُفضِّل التغيير والتنويع إلى حدٍّ ما وتكره أن تكون محاطًا بالقيود وقلة الخيارات.
  • تفخر بكونك مفكرًا مستقلًّا ولا تقبل أقوال الغير بدون أدلة مُرضية.
  • تعتقد أن إفشاء أمورك الخاصة للآخرين بكل شفافية تصرف غير حكيم.
  • أنت أحيانًا شخص اجتماعي يحب مخالطة الناس لكنك تصبح انطوائيًّا ومتحفظًا في أحيانٍ أخرى.

وكان متوسط تقييم الطلاب لمدى مطابقة هذا التحليل لشخصياتهم هو (4.26 من 5)، أي أنه مطابق لشخصياتهم بنسبة (85%)، على الرغم من افتقار جميع العبارات السابقة إلى الوضوح والدقة.
ويطلق على هذا النوع من العبارات لقب:(عبارات بارنم)؛ نسبة إلى (بي تي بارنم) الذي استخدمها في عروضه وقال: “هناك مغفل يُولد كل دقيقة”.

مزيد من الأدلة:
وهناك تجربة مشابهة لهذه أجراها المنجم (مايكل غواكويلينMichael Gauquelin) حيث قام بعرض قراءة مجانية للأبراج لقراء إحدى الصحف في باريس، مشترطًا تقييم مدى مطابقة تحليله لكل فرد، وكما فعل (فورير) في تجربته مع طلابه، فقد أرسل (غواكويلين) آلاف النسخ من تحليل واحد إلى أشخاص ينتمون إلى جميع الأبراج، وكانت النتيجة هي أن 94% من القراء قالوا: بصحة التحليل ومطابقته لشخصياتهم.
ومن العجيب أن التحليل المرسل للقراء خاصٌّ بسفَّاح عاش سابقًا في المنطقة يدعى (د.بيتيو Dr. Petiot) اعترف أثناء محاكمته بقتل ثلاثة وستين شخصًا، فقام (غواكويلين) بعد هذه التجربة بتحليل التنجيم متبعًا الأساليب العلمية، وكانت النتائج متناقضة تمامًا مع مهنته في التنجيم.

والخلاصة في التنجيم هي: أن إيمان الكثير من الناس به، وما يشعرون به بعد القراءة في الأبراج ليس له علاقة بالتنجيم بذاته، وإنما هو متعلق بطريقة فهمهم له، فليس التنجيم حقيقيًا، وليس لحركة الأجرام الفلكية تأثير على حياتنا، وإنما الأمر كما قيل: “هناك مغفَّلٌ يولد كل دقيقة”.

انتهى المقال بتصرف.


الكاتب: ميهاي أندري Mihai Andrei: ماجستير في علم الأحياء الجيولوجي التطبيقي في حماية البيئة من جامعة بوخارست برومانيا

المقال المترجم يتضمن معلومات يمكن الاستفادة منها، ولا يلزم من نقله موافقة الكاتب في منطلقاته أو إقرار معتقده وتوجهاته.

المقالات الأخيرة