خرافات منتشرة

الأيورفيدا: خرافة قديمة لا حكمة قديمة

فريق البيضاء للترجمة

تلقيت كثيرًا رسائل عبر البريد الإلكتروني تتساءل عما أعتقده حول أنواع معينة من العلاج، أهي مدعومة بالأدلة، أم أنها مجرد دجل؟ وقد وصلني مؤخرًا رسالة من رجل مسنٍّ يتساءل عما إذا كان يجب عليه أخذ نصيحة أحد الأصدقاء باستشارة طبيب أيورفيدا! وقد كانت تلك المرة الأولى التي أُسأل فيها عن الأيورفيدا، وكنت أعلم أن الأيورفيدا لم يكن قائمًا على العلم، لكنني أردت أن أعرف المزيد حوله؛ لذا قمت ببعض التحقق، وما وجدته كان مسليًا جدًا.

ما هي الأيورفيدا؟
يرى (ديباك تشوبرا Deepak Chopra) أن الأيورفيدا مطوَّر من قبل حكماء الهند، وأنه من أكثر أنظمة صحة العقل والجسم قوةً وتطورًا في العالم، ولا يعتَبر مجرد نظام لعلاج المرض، بل هو علم الحياة، إذ لا يوجد شيء لديه القدرة على الشفاء أكثر من العقل، وعليه فإن قدرتنا على التحرر من المرض تعتمد على قدرتنا على توسيع وعينا، وذلك من خلال عملية التأمل التي تعمل على توازن الجسم بشكل طبيعي.

الأيورفيدا: هو الطب الشخصي الأصلي، حيث يُبنى كل ما يتعلق بالصحة من النظام الغذائي، والتمارين الرياضية، والمكملات الغذائية، ونحو ذلك… على الشخص ونوعه الذي يتحدد من خلال توازن عناصر الدوشا الثلاث في الفرد، بمعنى آخر: يتم تخصيص العلاج الطبي وفقًا للتخيلات الميتافيزيقية بدلاً من علم وظائف الأعضاء.

“يتم تحديد (براكروتي prakruti) الخاص بك في لحظة الحمل وهو مخطِّط لجميع الميول الفطرية، والشخصيةِ المبنيةِ في نظامك العقلي، والجسمي، بما في ذلك الخصائص الجسدية، والعاطفية، وهناك ثلاثة أنواع من (البراكروتي) أو (الدوشات الثلاث): (فاتا، بيتا، وكافا vata pitta, and kapha)، يحكم كل دوشا اثنان من خمسة عناصر رئيسة”.
اعتقد “قدماء الهند” أن هناك خمسة عناصر رئيسة: (الفضاء، والهواء، والنار، والماء، والأرض)، وحرر “قدماء الصين” خمسة عناصر أخرى: (المعدن، والخشب، والماء، والنار، والأرض)، بينما حرر “الإغريق” أربعة عناصر: (الأرض، الماء، الهواء، النار)، ثم جاء (مندليفDmitri Mendeleev) المزعج ووضع جدول العناصر الدوري، ثم قام العلم الحديث بعدها وحصرها في مائة وثمانية عشر عنصرًا، فمن منهم ستصدق؟

ترتبط كل (دوشا) بعنصرين، ولكل عنصر صفاته وخصائصه الجسدية والعاطفية، مثال ذلك: “الفاتا” باردة وخفيفة وجافة، وغير منتظمة وخشنة، وذات حركة سريعة، وقابلة للتغيير، ومن خصائصها الجسدية: الجلد الجاف، والأيدي الباردة، ومن خصائصها العاطفية: حب الإثارة، والسرعة في الغضب، ونحو ذلك… وهناك قوائم مفصّلة بالأطعمة التي يجب أن تتناولها لتتناسب مع كل دوشا والأطعمة التي يجب عليك أن تتجنبها.
تبدو هذه المعلومات عن (الدوشا dosha) شبيهة إلى حدٍ كبير بالأبراج وهي موثوقة بقدر مماثل لها.

  • كيف تمكن القدماء من فهم كل هذا وصولًا إلى الأطعمة المحددة التي يجب تجنبها؟
  • كيف اكتشف المنجمون القدامى سمات الشخصية المرتبطة بكل برج؟
  • كيف تحققوا من صحة النتائج التي توصلوا إليها؟

الإجابة واضحة: لقد اختلقوا كل شيء، ولم يبذلوا أي جهد لاختبار فرضياتهم.

تساءلتُ ما هي الدوشا الخاصة بي؟ فأجريت اختبار (الدوشا) لـ”ديباك تشوبرا” لمعرفة ذلك، ولكني واجهت صعوبة في الإجابة على بعض الأسئلة، منها:
الوزن: أمنخفض أم متوسط ​​أم ثقيل؟ وزني منخفض، لكن هذا الخيار كان يحدد بـ “قد أنسى تناول الطعام، أو أميل إلى فقدان الوزن”، وكلاهما غير صحيح.
العينان: كانت الخيارات محيرة: (١) عيناي صغيرتان ونشطتان. (٢) لديّ نظرة حادة. (٣) لديّ عيون واسعة ولطيفة.
إنه محيِّرٌ حقًا. اخترت العيون الواسعة اللطيفة؛ لأنها بدت أجمل!
المفاصل: رفيعة وبارزة، أو فضفاضة ومرنة، أو كبيرة ومبطنة جيدًا؟ وقد غلبني هذا السؤال؛ إذ لم يكن لدي أدنى فكرة حول تحديد نوع المفاصل!
وكان عليَّ تقديم عنوان بريدي الإلكتروني للحصول على نتائجي، والموافقة على الحصول على نشرة إخبارية أسبوعية، وعروض حصرية على منتجات موازنة (الدوشا).

أظهرت نتائجي أنني كنت (٤٠% فاتا)، (٣٠% بيتا)، (٣٠% كافا)، وُصِفتُ بطريقة تشبه طريقة “الأبراج”، وذُكِر تحت عنوان أسلوب التسوق الخاص بي: “اشترِ، اشترِ، اشترِ” وهذا أبعد ما يكون عن الحقيقة، ويمكن لأي فرد من عائلتي أن يخبرك أنه خاطئ تمامًا؛ لأنني أكره التسوق، وأتردد في إنفاق المال.
وذكر أيضًا بأنني كنت من النوع النادر للغاية ثلاثي (الدوشا)، وهذا التوازن يمنحني بنية قوية، وصحة جيدة، وطول العمر!
وكانت التوصية لي بأن أحافظ على التوازن المناسب من خلال النوم المريح، والتمارين الرياضية، والتأمل، والوقت مع العائلة والأصدقاء، والعمل، أو الأنشطة التي تمنحني إحساسًا بالهدف والفرح، وتناول الوجبات التي تشمل أذواق الأيورفيدا الستة: (حلوٌ، حامضٌ، مالحٌ، مرٌ، لاذعٌ، قابضٌ)، كانت النصائح في مجملها -باستثناء الأذواق الستة- نصائح صحية عامة وجيدة لأي شخص! وجاء التقرير مرفقًا بعروض لمنتجات تناسب الدوشا الخاصة بي، منها:شمعة عطرية (Joyta Invigorating Aroma)، زيت التدليك العضوي (Invigorating Abhy) ولن أقوم بـالشراء مُطلقًا.

قمت بإجراء اختبار آخر عبر الإنترنت طرح أسئلة مختلفة تمامًا، وتم تشخيصي بأنني نوع بيتا فاتا، وقد أوصت نتائجه باليوغا، وتناول الأطعمة الحلوة والحامضة والمالحة، وبتناول بعض المكملات الغذائية المختلفة المتوفرة في متجرهم الإلكتروني، بما في ذلك أقراص (فاتا) للهضم. ويخبرنا (ديباك تشوبرا Deepak Chopra) أن مكملات الأيورفيدا: “تأخذ ذكاء الكون، وتطابقه مع ذكاء أجسامنا”، لكنني أشك في ذلك.

كما أجريت اختبارًا آخر على موقع إلكتروني آخر طرح أسئلة مختلفة تمامًا وذكر بأنني فاتا وكافا، وعرض في متجر الموقع عصا تدليك للوجه مصنوعة من كانسا وهو من البرونز النقي يُعرف باسم (معدن الشفاء).
قمت أيضًا باختبار رابع وكانت أسئلته مختلفة عن الاختبارات السابقة، وذكر بأنني كنت من نوع جسم الفاتا، كما ذكر إنني كنت مستبصرًا، ولا أعتقد ذلك.
وذكر أيضًا أنه يجب عليَّ تجنب التوت البري، والكمثرى، والكاكي، والرمان، والبطيخ، والتفاح، وأي خضروات مجمدة، أو طازجة، أو مجففة، والعديد من الحبوب والبقوليات… من يقول ذلك؟ ما لم يثبت بدليل يقنعني سأستمر في تناول الأطعمة التي أحبها، شكرًا جزيلًا لك.

ووفقًا لاقتباس من (كيرت بتلر Kurt Butler) في قاموس المتشككين: “تنقسم معتقدات وممارسات طب الأيورفيدا إلى ثلاث فئات:
الفئة الأولى: ما تكون واضحة وراسخة ومقبولة على نطاق واسع من قبل الأشخاص الذين لم يسمعوا من قبل عن الأيورفيدا مثل: (الاسترخاء، وعدم الإفراط في تناول الطعام).
الفئة الثانية: عدد قليل من الممارسات قد تثبت صحتها وفائدتها من خلال بعض الأبحاث. على سبيل المثال: قد تحتوي العلاجات العشبية على عقاقير مفيدة، إلا أنه في الغالب لم يتم التحقق علميًا من مخاطرها وقيودها.
الفئة الثالثة: أفكار سخيفة وبعضها خطير، على سبيل المثال: معظم الأمراض وسوء الحظ ناتجان عن تأثير النجوم والكواكب، أو أن تعالج إعتام عدسة العين بغسل أسنانك بالفرشاة، أو كشط لسانك، أو بالبصق في كوب من الماء، أو من خلال غسل عينيك لبضع دقائق بهذا الخليط.
وقد لخص (مارك كاريير Marc Carrier) العلم وراء الأيورفيدا في مقال مشكك نشر في مجلة(Skeptic) قائلًا: “…لا تزال التجارب العشوائية ذات المصداقية الخاضعة للتحكم الوهمي مع نتائج إيجابية واضحة لعلاجات الأيورفيدا غير موجودة”.

الأيورفيدا في الأساس خرافة مختلطة بخليط من النصائح الصحية العملية، ويمكن أن تكون خطيرة؛ لأن ٦٤% من علاجات الأيورفيدا المباعة في الهند ملوثة بكميات كبيرة من المعادن الثقيلة مثل:(الزئبق، والزرنيخ، والكادميوم)، وقد وجدَتْ دراسة حديثة أُجريت على المستخدمين في الولايات المتحدة ارتفاعًا في مستويات الرصاص في الدم لدى ٤٠% ممن تم اختبارهم.

نشأت الأيورفيدا في الهند ولا تزال تستخدم على نطاق واسع هناك، وفي القائمة الدولية لأطول أعمار المواطنين احتلت الهند المرتبة (١٢٥)، وهذا يشير إلى أن “علم الحياة” لم يقم بعمل جيد في بقاء الناس على قيد الحياة في الهند، ولكن إذا كان الهنود يرون الأمر بشكل مختلف ويريدون الاعتماد على الحكمة القديمة بدلاً من الطب الحديث القائم على العلم، فهذه جنازتهم!
لعلّ أمريكا كانت بحال أفضل لو بقي الأيورفيدا في الهند.


الكاتبة: هارييت هول Harriet Hall: طبيبة أسرة، وجراحة في القوات الجوية الأمريكية سابقًا، وكاتبة مهتمة بنقد الدجل الطبي والطب البديل.

المقال المترجم يتضمن معلومات يمكن الاستفادة منها، ولا يلزم من نقله موافقة الكاتب في منطلقاته أو إقرار معتقده وتوجهاته.

المقالات الأخيرة