مقالات البيضاء

الأوراد الروحانية ودهاليز البدع

أ. هناء النفجان

أكمل الله تعالى الدين وأتم النعمة فقال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [سورة المائدة: ۳]، وجعل الزيادة على ما شرعه سبحانه بدعة وإحداثاً في الدين، قال تعالى: ﴿شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ ۚ﴾ [سورة الشورى: ۲۱]، وقال ﷺ (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد).[متفق عليه].

فأيّ طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الطريقة الشرعية، تعتبر إحداثاً وتشريعًا في الدين لم يأذن به الله: كالتزام الكيفيات والهيئات والأوقات المعينة في الذكر، أو اتخاذ يوم ولادة النبي ﷺ عيداً، وما أشبه ذلك.

وكما أن البدعة في الفعل، فإنها كذلك تكون في الترك، فإن ترك المباح بقصد القربة والتعبد -دون دليل- ؛ يعتبر بدعة، كما في حديث الثلاثة نفر المخرج في البخاري، حيث أنكر النبي ﷺ فعلهم بترك الزواج والنوم والطعام تعبداً، وأنكر كذلك على من تعبد لله بترك اللحم أو بالصمت الطويل على وجه القربة.

والابتداع في الدين سمة ظاهرة عند الفرق المنحرفة الذين لم يتنصلوا من الانتساب إلى الدين، ولكنهم لا يرومون الوقوف عنده، فيعمدون إلى تشريع البدع لإرضاء أهوائهم. 

وممن عرف عنه الابتداع في الدين؛ منحرفوا الصوفية الذين يأخذون دينهم من طريق الكشوفات والتوهمات والمنامات والخلوات، ويزعمون أنها حق لا مرية فيه، ويهملون الحق الثابت والدليل الواضح من الكتاب أو السنة.

ومن هذا المنطلق الفاسد نجد أصحاب الطرق الصوفية يتبارون في ابتداع أوراد طريقتهم وتأييدها بالكشوفات والمنامات، التي تجعل لها فضلاً وقدسية ليست لغيرها، ويفترضون لها نتائج لا مثيل لها.

وبمجرد أن يبدأ المريد بالانخراط في الطريقة، يسنون له من البدع ما يجعلونه يحافظ عليها محافظته على السنن، بل لا تجد عندهم حثاً للطالب على اتباع السنة أو التزامها بل قد تكون غريبة عنه في غالب الأحيان.

فمن ذلك فرض نوع من الآيات يرددها المريد (۹۹) أو (۱۰۰) مرة منفردة ويبدأها بتكرار البسملة (۳) مرات، ثم إذا استقرت البدعة في قلبه، وشعر أنه لا يستطيع أن يعبد الله إلا بهذه الاستحسانات والتجارب، انتقلوا به إلى أوراد أكثر تعقيداً ترسخ في غالبها لعقيدة وحدة الوجود! وهي أشبه بمتون لتلقين العقيدة لا يكاد بعضها يفهم، يزعمون أنه بها يصير مسلماً متحققاً.

والأمثلة على ذلك أشهر من أن تذكر، وعلى سبيل المثال ما جاء في إرشادات السالك في الطريقة الشاذلية قولهم «وعلى المريد أن يتذكر أن المراد بهذا الورد الشريف هو محو التعينات والكثرات، والتعرض للجذبات الربانية وتجليات الحضرة الذاتية الأحدية، كي يحظى بالفناء في الأفعال ثم الأسماء والصفات ثم الذات، ومن بعد ذلك التحقق بالبقاء بالله وبالمشهد المحمدي”!

ومن الأوراد المقرر التزام المريد لها حسب سلوكه قولهم: «اللهمَّ صلِّ وسلمْ على الفيضِ الذاتيِّ الأقدس، المفيضِ لنعمةِ الإيجادِ على غيبِ أعيانِهِ في الحضرةِ العلمية، والفيضِ الصفاتيِّ المقدس، …الخ».

وهذه الأوراد الشركية، تكاد تكون قوام الطريقة الصوفية لا يستقيم أمرهم بغير هذه الأحمال من البدع، وقد تشتمل الأوراد ألفاظاً غير عربية وتوسلات تقحم بين الآيات المجتزأة يزعمون لها أثرًا وبركة خاصة.

ومن أشهر الأوراد الذائعة ما يسمى بالصلاة الأكبرية لابن عربي، وصلاة الفاتح للتيجاني، يزعم التيجاني أنه منحها من الله بواسطة ملك على صحيفة من نور! وأنه رأى رسول الله ﷺ وسأله عن فضلها فقال له أنها تعدل ستمائة ألف صلاة، ويقوم منها ستمائة ألف طائر يسبحون لقائلها، بل تمادى به الأمر أن افترى على رسول الله ﷺ أنه قال له: إن من صلى بهذه البدعة مرة واحدة، حصل له ثواب ما إذا صلى بكل صلاة وقعت من كل جن وإنس وملك، من أول العالم إلى وقت تلفظ الذاكر بها! .. إلى أخر هذه الترهات، التي يظهر بطلانها بما فيها من مبالغة.

ومن شأن هذه النتائج المدعاة أن تصرف الأتباع عن طلب المشروع؛ انشغالاً بالمبتدع لما فيه من الثمار الباهرة، وهو مقصود الشيطان ومطلوبه، ناهيك عما في هذه الأوراد من التوسل بالشيخ واستحضاره عند تردادها. 

الابتداع العصري للذكر والأوراد:

قد يقول قائل ما الداعي لذكر هذه البدع التي عفى عليها الزمن، واستقر عند الناس بطلانها؟

فالجواب: أن هذه البدع لا زالت حاضرة حية، تعاد وتشكل بقوالب عصرية وتخفف جرعتها للحاجة -إن صح التعبير-.

فإن الصورة الحديثة للتصوف المنحرف، يتمثل غالبه في التيار الروحاني المعاصر، وأتباعهم في المجتمع المسلم يظهرون بتطبيقات حديثة، وبألفاظ عصرية، أما مضمون طرحهم فلا يكاد يفارق منهج أسلافهم من الصوفية، حيث شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله، وأسسوا لأوراد مختلقة يزعمون أن لها ثماراً ونتائج ملموسة، يقول أحد مشاهيرهم مؤسساً لهذا المنهج المبتدع: «أورادك هي تجربتك الروحية الخاصة في نوعها وعددها وأثرها»!

فنوع الذكر، وعدده، وأثره الغيبي كله خاضع لتجربة شخصية يختلق فيها المرء ما شاء! فأين السنن إذن؟ وأين ذهبت النصوص المتكاثرة في تشريع عبادة الذكر؟

ولهذا فقد سن هذا المشهور لأتباعه (ورداً أربعينياً) على غرار أوراد الطرق الصوفية، زعم أنه نتاج (تجربة روحية خاصة به) خلال أربعين يوماً من الخلوة، خرج منها بهذا الورد.

فهو يرشد أتباعه إلى التزام ذكر معين بكيفية وعدد، ويعدهم بأثر مبهر، ويبتكر في كل يوم تسبيحاً يكرر (۱۰۰) مرة، وينتقي آيات محددة أو جزء من آية، كقوله تعالى: (يدبر الأمر)، ويشرع لأتباعه تكرارها منفردة كل يوم (٤۰) مرة، وبعضها (۱۰) أو (۷) مرات ثم يختمها بالصلاة على رسول الله، ويرتب على ذلك نتائج غيبية هائلة يختلقها من عنده.

ولكل يوم ذكر خاص، ومن فاتته البداية مع المجموعة فيقضي ما فاته بعد انتهاء المدة!، وأحمال من التكاليف والواجبات يسنها للناس من غير دليل ولا هدى، تضاهي ما شرعه الله، ويرتب عليها -زوراً- من الآثار الغامضة ما يفهم وما لا يفهم.

ويزعم أن الالتزام بتشريعاته له أثر كبير حيث يقول: «الليلة نبدأ الأوراد.. وهي أوراد غير مخصصة لرغبات معينة.. يحصل في ترديدها وعند اكتمالها بركة الوصول إلى النور والفتح الذي من خلاله تتضح الرغبات..»!

وهذا النور المدعى يفسره بعبارات مجملة غامضة بقوله: “لكل أحد عالمه المتخفي، وهو عالم النور فيه خزائن الحكمة وتجليات الأسرار والروحانية هي اتصال بذلك العالم”.

وقد يقول قائل: وهل في الحث على الصلاة على رسول الله والتسبيح من بأس؟

والجواب

أن الحث المطلق على ما ورد في الكتاب والسنة كقولنا عليكم بكثرة التسبيح أو سبحوا وكبروا مائة وألفاً وألفين- يختلف تماماً عن توليف ألفاظ وجمل معينة، أو اجتزاء آية أو نصف آية من القرآن، وسنها في وقت محدد، وبعدد وكيفية محددة، وترتيب أثر غيبي خاص على تكرارها بهذه الكيفية!

ولو اقتصر الأمر على أن يجعل العبد لنفسه من الذكر المشروع المطلق ورداً يتقيد به، حتى لا ينساه من أنواع التسبيح المشروع والاستغفار، أو ترداد آية على وجه الدعاء والتمثل بمعناها في حال كرب أو أزمة، لكان الأمر سائغاً لا تثريب على أحد فيه.

أما إذا تجاوز الأمر إلى:

– ادعاء أنه ورد معصوم قد تلقاه مباشرة من الله، أو من مصدر مبهم حال خلوته.

-ادعاء الأثر الغيبي الخاص لهذا الذكر المخترع.

-اشتمال هذا الأثر المزعوم على معان فلسفية.

-تشريع هذا الذكر للناس بعدد ووقت محدد، وتضليلهم عن المشروع.

فهذا هو عين الابتداع وإن لم يكن هذا ابتداعاً وتشريعاً للناس، فما التشريع إذن؟

وعواطف الناس تتسارع مع كل من علا صوته بلا تمحيص، وما كانت لتروج هذه البدع لو لم يمزجوها بآية وحديث في غير موقعها.

وعوداً إلى أذكار صاحبنا المتضخمة، نجده يبتدع ذكراً أربعينياً آخر يزعم له العديد من النتائج من مخيلته، وهو ترديد آية النور (۱۰) مرات مدة أربعين يوماً، ويحلّق بأتباعه في نتائج وآثار لا أصل لها.

وطرأ عليه يوماً؛ تكرار آية النور مفردة ألف مرة بلا توقف! فاستحسن صنيع نفسه، وسمى ذلك اليوم (يوم الأنوار)، ودعى الناس لمشاركته هذه الدوامة من الخيالات والبدع!

وهكذا يستمر الابتداع للأذكار في المناسبات والمواقف، والاختلاق للنتائج الروحية المؤكدة، مما مصدره تجربته الذاتية وتجارب العارفين!

فأوراد للبصيرة، وأوراد للتشافي، وأخرى للرزق، وغيرها للقوة والتمكين، وغيرها للرغبة بالزواج، إلى غيرها مما يزعم أنه قاطع أثره، محتم نتيجته، تتحقق به الرغبات وتدرأ به الكربات، وكأن السنن فقيرة من هذا التوجيه، والنصوص قاصرة عن هداية الخلق؟!

فإن قيل: إن هذه الأذكار ليس المقصود بها التقرب إلى الله لتكون بدعة، وإنما هي (مجربات) روحية وجد لها أثر واقعي، كأي تجربة نافعة لأمر محسوس .

فالجواب:

  • أن هذا قياس مع الفارق، فإن التجريب ممكن في المحسوسات المادية، وما كان في نطاق عالم الشهادة، وهو في جملة الأسباب التي يحكم عليها بالصحة والفساد بحسبها، أما ادعاء تأثير كلمات محددة في الانكشاف على مطلق الغيب، وتحقيق مطلق الأمنيات بطريقة غير مفسرة؛ فلا يسمى تجريباً وإنما يسمى ادعاء، فلا مجال لتصديق هذه التجربة والتأكد من صحة المسلك.
  • أن تحقيق الأمنيات ممكن بالسعي في أسبابها، أما ادعاء استجلابها بمجرد تكرار ورد معين، فهذا هو عين الدعاء و الذكر والطلب من الله تعالى، وهو بهذه الكيفية مزاحم بوضوح لما شرعه الله تعالى وحياً من طريق أنبياءه، وهذه هي البدعة.

ويزيد الأمر سوءاً ما تتضمنه هذه الأوراد من الألفاظ المجملة ذات المعاني الفلسفية، التي تؤسس في غالبها للعقيدة المركزية  لدى كافة الروحانيين (وحدة الوجود)، والاتحاد بما يسمى -عندهم- بالنور أو الوعي!، وقد جمعها أحدهم في (تطبيق) متاح على متاجر الأجهزة الذكية وبرسوم للتحميل، ليتم بذلك المتاجرة بالأديان والمتاجرة بالأموال.

ولم يقتصر الابتداع على الذكر، بل تجاوزه إلى الممارسات التعبدية، فاليوجا وجلسات التأمل والصمت، أحد أشهر الممارسات والطقوس التي استبدلها أبناء المسلمين بالعبادات الشرعية أو زاحموها بها، للحصول على الراحة والطمأنينة والسعادة، والاتصال الروحي بشيء مجهول:

– إن قيل: هو (الله)؛ فإن الله جل وعلا لا يسمى وعياً ولا مطلقاً، وهذا من الإلحاد في أسماءه، وليس في الكتاب والسنة ما يدل أن هذا طريق التعبد والاتصال بالله جل وعلا.

– وإن قالوا: ليس هو الله، بل غاية أخرى غيبية مرجوّة غير الله تعالى!.. لها من التصرف والقدرة المطلقة ما يمنح السعادة، ويتحقق من طريقها مطلق الأمنيات، فهذا خلع لأوصاف الربوبية على غير الله جل وعلا، وهي حقيقة الفلسفة الصوفية القائمة على عقيدة وحدة الوجود الإلحادية! وإن اختلفت المسميات والمصطلحات والتعبيرات.

ومن هذه البدع: افتتاح اليوم بالتوجه لشكر الممتلكات وجلسة الامتنان، بديلاً عن الذكر المشروع في الصباح والمساء  أو مزاحماً له، كل هذا من صور الابتداع -لو خلت هذه الممارسات من الفلسفة القائمة عليها- فكيف وقد أثقلت بفلسفة مناهضة للتوحيد الخالص؟

يقول أحد أتباع الروحانيين من المتصوفة الجدد «في الصلاة دائما لا أشعر بالخشوع، لكن بجلسة الامتنان اليومية أحس بخشوع عظيم»!

والسنة قد جاءت بأتم بيان وأشمله:

  • فبينت جنس المشروع والمستحب في ذكر الله ودعائه في الصباح والمساء، وفي الصلوات وأعقابها، وعند دخول المسجد وعند النوم والانتباه منه، وعند الكرب والهم وعند والركوب والسفر، والمصيبة والفرح وتجدد النعمة.. وغيرها من أحوال المسلم وأوقاته.
  • وحددت مقادير الأذكار وما يترتب عليها، من الثمار العاجلة والآجلة المستقبل منها والحاضر، والجزاء والثواب مما يغيب عن المرء معرفته وإدراكه بنفسه. 

قال ابن تيمية: «فالأدعية والأذكار النبوية هي أفضل ما يتحراه المتحري من الذكر والدعاء وسالكها على سبيل أمان وسلامة، والنتائج التي تحصل لا يعبر عنها لسان ولا يحيط بها إنسان، وما سواها من الأذكار قد يكون محرماً وقد يكون مكروهاً وقد يكون فيه شرك مما لا يهتدي إليه أكثر الناس، وفي الأدعية الشرعية والأذكار الشرعية غاية المطالب الصحيحة ونهاية المقاصد العلية، ولا يعدل عنها إلى غيرها من الأذكار المحدثة المبتدعة إلا جاهل أو مفرط أو متعد».

 

ومع ذلك فمع هذا الكمال -الذي ينبغي ألا يعدل إلى سواه- فإنه يجوز للعبد مطلق الذكر والدعاء -لنفسه- ولو بغير الوارد في النصوص، بضوابط:

  • أن لا يجعله عبادة راتبة يواظب عليها كما يواظب على المسنون أو يطلب من غيره ذلك.
  • أن يتخير لنفسه من الألفاظ أحسنها وأبينها على وفق المعنى العربي.
  • أن يخلو ما يدعو به ويذكره من الشرك والاعتداء واللفظ الباطل.
  • أن لا يرتب على ذلك الذكر أثراً أو جزاء غيبياً مخصوصًا من عنده ليس عليه دليل، أو يعتقد فيه ذلك. 

 

ومما سبق يتبين أن تخصيص الأوراد بالأذكار أو الأدعية بلا دليل، وترتيب جزاء وثمرة خاصة عليها، هي من البدع المنهي عنها؛ ولو سماها أصحابها (مجربات)، لأن فيه منازعة للرب جل وعلا في التشريع، وفيها اتهام لدين الله تعالى بالنقص والقصور وعدم الكمال، كما أن فيها تزهيد وهجر للمشروع ومزاحمة له، وقد أثر عن علماء السلف قولهم: (ما أحييت بدعة إلا وأميتت في مقابلها سنة).

قال سفيان الثوري «البدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ فإن المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها»  حيث يظن صاحبها أنه على خير. 

فما أسعد من تمسك بالسنة واهتدى بها، أوردنا الله حوض صاحبها عليه الصلاة والسلام، وحشرنا تحت لواءه.

۱٤٤۲هـ


*هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا يمثل – بالضرورة – رأي الناشر.

المقالات الأخيرة