مقالات البيضاء

أنا أعرف عقيدتي

د. ثريا السيف

في مجلس عامر بالتخصصات الجامعية قالت: قرأت كتابا للفيلسوف (؟) تكلم فيه كلاماً جميلاً… قلت لها عفوا ما موضوع الكتاب؟ قالت: تطوير المهارات في… قلت:  لكن هذا الكلام لا علاقة له بالمهارات المهنية! لأن الكلام الذي ذكرتيه يعني عقيدة هندوسية وثنية!! لا يؤمن معتنقوها باليوم الآخر ولا الجنة ولا النار فضلاً عن أن يؤمنوا بربوبية ربهم ﷻ.

وأما المؤلف فهو أحد كبار ملاحدة تطوير الذات فهو يروج لعقيدته من خلال مؤلفاته وهذا شيء متوقع، لأن مصدر تطوير النفس وتزكيتها هو العقيدة التي يؤمن بها صاحبها وهذا المؤلف قد استمد مادة كتابه من عقيدته… فهذا الكتاب ومؤلفه خطير جدا على عقيدتك فلا أنصحك بقراءته…

قالت: لكني واثقة من نفسي! وأعرف عقيدتي! ولا يمكن أن يؤثر علي أو يضر ديني مثل هذا الكتاب! كما أنه يحوي عبارات وجمل جميلة يؤيدها ديننا! ثم إني سآخذ الجيد وأترك السيئ…

قلت لها: أرأيت لو أن أمامك كأسين من الماء أحدهما ملوث والآخر صافٍ تماما من أيهما تشربين؟ بالطبع لن تخاطري بصحتك وتشربي من الملوث!… فلمَ إذن تخاطرين بعقيدتك وتقرئين كتابا يحمل عقيدة المؤلف الوثنية الملحدة!؟

لم الحيدة عن منهل صاف من كتب السيرة الثرية بتزكية الذات والرقي بها إلى معالي الأمور وعنان السماء؟

ثم هل لديك آلة العلم وترياق الإيمان؟ الذي تحصنين فيه قلبك من الزيغ الذي حثنا الله على الدعاء بالنجاة منه (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا).

هل تعلمتِ نواقض الإسلام وفهمتِها؟

هلا عددت لي شروط (لا إله إلا الله)؟

هل قرأت كتاب التوحيد؟ وعقلت نصوص الكتاب والسنة التي تبين أنواع الشرك وتحذرنا منه؟

إن مما يغيب عن بعض محبي كتب تطوير الذات لاسيما المترجم منها أن معظم تلك الكتب ترويج مغلف لعقيدة مؤلفها، ولا عجب في ذلك؛ لأن الرقي بالنفس مبني على قوة العقيدة والإيمان بها فأكثر من كتب في تطوير الذات يؤسس كلامه على عقيدته، وينطلق من مفاهيم عقدية سابقة، وعلى قدر تأثر الكاتب بعقيدته يظهر ذلك فيما كتب، إذ أن جوارح الإنسان وهي المراد تطويرها تستند على ما في القلب من معتقدات لأن القلب هو المحرك لهذه الجوارح.

فالقوة هي قوة القلب والضعف هو ضعف القلب…

كما أن هذه العقائد باطنية ملتبسة يختلط فيها الحق بالباطل ويكثر فيها الخداع والإضلال إذ لو كانت صريحة لافتضح أمرها ولم تقبلها القلوب المؤمنة…

أما والله قد أبدلنا خيرا منها فالمعاني العقدية لتطوير الذات قد ملأت نصوص القرآن وكتب السنة وسير السلف الصالح ولكن الغفلة عنها مؤسفة جداً… 

إن عقيدة التوحيد هي أساس بناء الذات وتطويرها فإذا صح اعتقاد الإنسان وحقق التوحيد قوي بناء ذاته، وسهل تطويره، والله تعالى هو خالق هذه الذات وهو العالم بما يصلحها، ولذا فكل انحراف عن عقيدة التوحيد سفاهة وجهل، قال ذلك العليم الخبير: (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه) ،ومن سفه نفسه أضاع حظها فيما ينفعها وأضرها في آخرتها، فكيف يرجى من الملاحدة من رواد تطوير الذات غير السفاهة والغبن والامتهان للنفس!

ومن المعاني العقدية العظيمة لتطوير الذات:

  • أن قوة التوحيد ترتقي بالذات وتدفعها للتطوير والسمو لأن العبودية لله وحده شرفٌ وعز يحرّر الإنسان من رق النفس والشيطان فتقوى شخصيته، لأن العقيدة الصحيحة تخلص النفس من الذل لسائر الخلق وأما الشرك فهو يجعل النفس الإنسانية في غاية من السقوط والانحطاط والمهانة قال تعالى: (ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق).
  • عقيدة التوحيد تهذب الذات بسبب تأثير العبادة في السلوك الإنساني، وتربي في النفس المراقبة الذاتية؛ كما أن أخوة العقيدة بين المؤمنين لها آثار عميقة في التعامل مع الآخرين، بل إن أخوة الإيمان تغلب أخوة النسب؛ وذلك يظهر في صفاء القلوب كما في قول النبي ﷺ: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) متفق عليه.
  • العقيدة الصحيحة تحقق الأمن النفسي للذات وهي السبب الرئيس في تحقيق الطمأنينة والسكينة، بل يزيد الأمن النفسي وينقص بحسب القرب من الرب والعبادات التي شرعها الله لعباده وحثهم عليها (إن الإنسان خلق هلوعا، إذا مسه الشر جزوعا، وإذا مسه الخير منوعا، إلا المصلين)؛ ولذا كان نبينا ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة.
  • المؤمن الموحد موقن وواثق أنه لا يجري في الكون شيء إلا بتدبير الله تعالى ولذا تحصل له الراحة والسرور بقدر ثقته بربه، وأن ما يقضيه الله له هو خير والله تعالى يختصه بسبب إيمانه بهداية قلبه فلا تؤثر فيه المصائب كما تؤثر في غيره؛ (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير)؛ ولذا قال نبينا ﷺ: “عجباً للمؤمن لا يقضي الله له شيئاً إلا كان خيراً له” صححه الألباني.
  • اجتماع قلب الموحد المتوكل على ربه، مع الأخذ بالأسباب المشروعة  في سائر شؤون حياته يقوي ثقته بربه القوي فتذهب عنه الأوهام والقلق من خذلان التعلق بغير الله تعالى؛ وترتقي نفسه بالاستغناء عن المخلوق بالخالق مالك الملك ومدبر الأمر بخلاف من تعلقوا بغير الله فخذلوهم أو فقدوهم، فضلا عمن تعلق بالشياطين أو السحرة والمنجمين.
  • لب العبودية لله تعالى بالافتقار إليه وإظهار الحاجة والفاقة للغني وكلما قويت عبودية للمؤمن لربه أغناه الله من واسع فضله، ورزقه حيث لا يحتسب، فما أقرب الرزق من العبد الموحد وما أعظم غنى النفس الذي يمنحه… 

فهذه المعاني العقدية هي أهم ما يعين المؤمن على تطوير ذاته، لأن المؤمن ليس كغيره من سائر البشر و أصحاب الديانات الوثنية، فنفسه تواقة لجنة عرضها السماوات والأرض وهمه أن يبقى على التوحيد ويثبت عليه حتى لا يحبط عمله فيخسر دنياه وآخرته.

 وهو مع هذا طيب النفس لم ينس نصيبه من الدنيا وفق ما أباحه الله إليه… وهذا والله هو العز والشرف وطيب الحياة والرقي بالذات في الدنيا والآخرة.

اللهم أبقنا على التوحيد حتى تطأ أقدامنا جنتك.

۱٤٤۲هـ


*هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا يمثل – بالضرورة – رأي الناشر.

المقالات الأخيرة